حامد المطيري مثلا: هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. جانية أم مجنيّ عليها؟
.. تعرض شاب يعمل في الحسبة إلى عدوان كاسر، وكان من المحتمل أن يُهشـَّم جسدُه لولا العناية الإلهية. وهذا الشاب حسب الرواية التي وصلت بريدي الموثقة بالأسماء والأماكن اسمه حامد المطيري، خرج مؤخرا من مستشفى الرياض المركزي.. ولم يشف تماما.
أما الجناية التي استحق عليها المطيري كل هذا العقاب المبرح فلأنه -كما وصلني- كشف وكرا للممارسات الخارجة عن الأخلاق.. وأن الذين ضربوه هم من الذين فروا من موقع المكان المفضوح، وترصدوا للمطيري حيث انهالوا عليه بالضرب واللكم والعصي..
وهنا يثور السؤال؟ هل ضُرب المطيري لأمر جناه؟ هل تدخـّل فيما لا يعنيه؟ هل تجسس؟ هل ادعى؟ وهل هذا بالأساس واجب ودواعي وظيفته، أم واجب ودواع مسؤولية جهاز رسمي آخر؟ .. وكما تختلط الأسئلة، تختلط أيضا الإجابات.
لعلنا هنا نتفق أولا على واحد من أمرين، وهما هل وجود الهيئة ضروري وأساسي؟ أم أنه لا داعي لها على الإطلاق لأنها مصدر للقلق الاجتماعي وبيئة صالحة للتطرف؟ إن كنت من الذين يرون الرأي الأخير، فهنا ليس المكان الذي ستجد فيه جوابا.. ولذا تنتهي اهتماماتك عند النقطة آخر هذا السطر.
ولكني أجيب عن الأمر الثاني، وهو هل وجود الهيئة ضروري وأساسي، والجواب كما ستدرك من انسياقي من المقدمة أنه نعم. وبوضوح، أنه قد يتعدى الأمرَ الاختياري، ليصل إلى المتطلب الديني.. وهنا متى كنا مسلمين مدركين، فإن أهمية وجودها لا تحتمل أي جدال. ولكن تثور أسئلة أخرى.
قال لنا رئيس هيئة المنطقة الشرقية الشيخ عمر الدويش، وأمام الناس في برنامج "نبض المجتمع" إن لا قداسة لشخص، ولا مؤسسة. وهذا كلام صحيح من رجل واع يفهم المعنى الحقيقي لمهمة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي لا تكتمل صفة دولة إسلامية قانونها الشرع الإسلامي بدون حضورها الفاعل. وتلقائيا ننتقل إلى سؤال آخر وهو ما هي صفة المعروف، وما هي صفة المنكر؟
في تمازج الحد الواضح بين هذين المعنيين تقع المشاكل، ويقع هذا الانطباع لدى البعض بأن الهيئة جهة صارمة قاسية تفسر الأشياء بطريقتها ولا تقبل إلا أن يتعايش معها قسرا أم حبا الجميع، وأنها مخلوق إداري بعين واحدة ويأخذ قوته الضاربة من المنبع الديني.. وهنا تقصير نقع به جميعا.. لأننا بشر، بشر في منتهى العادية، فبعضنا مع السلطة والهيبة الدينية يشعرون أحيانا أنهم بشر غير عاديين.. وفوق ذلك أحيانا أخرى. وهنا أظن كل المسألة، مسألة المشاكل الناجمة عن انطباع!
مجرد انطباع؟ نعم مجرد انطباع. أي تخليقٍ إداري كان لا يحمل صفته الحية والمباشرة إلا الأفراد. فأنت تنتقل من فندق إلى فندق آخر وهما متساويان في الأبهة والفخامة والسعر.. ولكن تنتقل إلى الآخر بسبب الخدمة. وأنت تنتقل من شركة طيران إلى أخرى، مع أن كلتا الشركتين تشتري طائراتها من مصنع واحد أو مصنعين، ويتقاربان في الأسعار، ومحطات الشبكة التي تغطي أسطوليهما.. ولكن تنتقل بسب الخدمة. وكذا تنتقل من محل تجاري إلى آخر، ومن مطعم، ومن مغسلة.. وحتى أحيانا من دولة كاملة، إلى دولة كاملة أخرى.. بسبب أهم عناصر القطاعات الخدمية.. الخدمة ذاتها. والخدمة دائما هي البشر.. لا شيء آخر. لذا تجد أن الشركات المتقدمة في تقديم الخدمات تضع كثيرا من المال والوقت والجهد في سبيل الارتقاء بالسلوكيات الخدمية، أما معنى السلوكيات الخدمية، فأقولها باختصار أرجو أن يكون واقعيا، هي طريقة التصرف لما يواجه بشرٌ بشرا. وهذا التصرف يورث الانطباع، والانطباع هو السمعة، وفي الكيانات التجارية أكبر الأصول هي التي لا تراها في ميزان الربح والخسارة.. عنصر السمعة!
السمعة إذن. السمعة هي المؤشر الذي يخلق الانطباعَ العام، ومع الانطباع يسري ويتكون في قلب كل إنسان شيء اسمه المزاج.. ونقول في أمثلتنا الشعبية، المزاج يحكم. وعندما نطور سلوك الأفراد في ممر الخدمة التي نقدمها وفي سبيلها يكون هنا التميز، فيعطي الانطباع الذي يكيف المزاج.. والذي ينقلك وأنت في مزاج هادئ محايد وهانئ إلى معرفة الكيان الإداري الذي يقدم لك الخدمة، حقا وواقعا. هذا تماما ما نريده لأهم مؤسسة اجتماعية (وأصر أنها اجتماعية لأنها تحفظ التوازن الأمني من خلال التطبيق الحياتي الديني الواعي).. وهو العمل على صنع الانطباع.. الذي يعطي في النهاية الضوء المريح لعقول الناس لمعرفة المهمة الحقيقية لهيئة المعروف والنهي عن المنكر. وأقول لك مقتنعا يقينا لو أن مهام الهيئة نطبقها كأفراد عاملين كما هو التوجيه الديني الصحيح لوصلنا مرحلة من الأمان والتوازن ما يجعل أمما أخرى تأخذه مبعثا للتفكير في أمنها القومي..
قال شاب في البرنامج: "الهيئة ليست صديقتنا". وقال شاب آخر: "بدون الهيئة نضيع." وأنا متأكد أن الذي خلـّف الانطباعين المختلفين لدى الشابين من موقف شخصي. موقف الأول، أغضبه رجل حسبة فغضب على الهيئة كلها، وهو في مزاج لن يعده لمحاولة إفهام للدور الحقيقي النافع للهيئة. والشاب الآخر له موقف مغاير مع رجل حسبة أكثر رقيا ومودة في التعامل، والرقي والمودة لا تلغيان الحسم أبدا.. ولكن تعمل بقوة ألا يكون هناك داعٍ للحسم.
القضية إذن انطباع. والانطباع ينشأ عن سلوك، والسلوك آلية بشرية قابلة للتطويع والتطوير والتهذيب.. وهنا ننادي أن يكون في داخل الهيئة إدارة رئيسة مهمتها الإعداد العلمي والسلوكي لرجل الحسبة.
وقبل أن أمضي أقول لو أننا حسبناها عقلا وتجربة وواقعا من شواهد مسجلة في كشف أنواع الجرائم، مقارنة بما يراه البعض "إزعاجات الهيئة".. لدعونا جميعا إلى الهيئة وإلى كل رجل حسبة.. وهنا نكون قد تقدمنا نحوهم بخطوة إيجابية كبيرة.
رفع الله الضر عن حامد، وندعو اللهَ ألا يُعتـَدى على رجل حسبة، وندعو اللهَ ألا يعتدي رجلُ حسبةٍ على أحد.