رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لماذا مليونا مكتتب يحصلون على 30 % فقط؟

في تفاعل مشكور وردت عدة تعليقات من القراء على الجزء الأول من هذا المقال على الموقع الإلكتروني للجريدة كان من أهمها أن الشركات التي تطرح عددا قليلا من الأسهم للاكتتاب سوف تتسبب في تضخم الأسعار نظرا لقلة عدد الأسهم المطروحة للتداول, كما كان في ثنايا هذا التعليق اتهام بأن مثل هذه الاكتتابات ليس الهدف منها إثراء المجتمع ودعم الاقتصاد بقدر زيادة ثروة ملاك الشركة الأصليين الذين لا يخصصون سوى 30 في المائة للاكتتاب العام مما يعظم ثرواتهم لارتفاع سعر السهم عند التداول نظرا لقلة عدد الأسهم المطروحة للتداول. والسؤال المهم هنا هو لماذا أكثر من مليوني مكتتب يحصلون فقط على 30 في المائة بينما يحصل عدد قليل من المؤسسين على 70 في المائة؟ نحتاج إلى دراسات وتقديم أدلة عن الأسباب الكامنة وراء هذا التوزيع وما محدداته ولا أظن أن مجرد حق التأسيس يعد دليلا مقنعا وكافيا على هذا التوزيع.
إن انتشار هذه الظاهرة من دون دليل مقنع ومرض سوف يقود إلى إفشال سوق الاكتتابات الأولية وهو جوهر السوق وأساسه ولأجله بنيت الأسواق المالية. فرجال الأعمال يحصلون على تمويل لمشاريعهم من خلال هذه السوق ويساهم المكتتب لأن لديه القدرة على استرداد أمواله وتقليل مخاطر المساهمة من خلال بيع أسهمه في السوق الثانوية (سوق تداول الأسهم), إذا فالحفاظ على السوق الأولية له أولوية، والنظم تعمل على هذا الأساس فلا يجوز للمؤسسين بيع أسهمهم إلا بعد مضي فترة طويلة من طرح السهم للتداول، فدراسة مثل هذه القضية أمر له ما يبرره.
نقطة علاوة الإصدار تحتاج أيضا إلى اهتمام من قبل أصحاب الشأن. وأرى أن الوقت قد حان لفتح ملف تقييم الشركات ومناقشته علانية. لا بد من إصدار قوائم مالية عن الشركات التي تمت الموافقة لها على دخول السوق قبل وبعد إعادة تقييم أصول الشركة مع تقرير معتمد من مراجع قانوني وتعليقات كافية على التقييمات. إن بروز هذه الممارسات سوف يجعل لاسم مستشار الطرح والمراجع القانوني أثرا على مصداقية التقييمات وسعر الطرح . ما يؤيد هذا الاتجاه أن هناك تجارب سابقة في السوق السعودية تم فيها طرح أسهم شركات قائمة للاكتتاب العام أثارت العديد من التساؤلات بين أوساط المهتمين بتقييم الشركات حول مصداقية بعضها في وقت كانت أسعار الأسهم أقل منها الآن وبمستويات عدة، فالحال الآن أدعى إلى فتح مثل هذا الملف. واقترح على الهيئة مشروع مؤتمر أو ندوة علمية بهذا الخصوص.
من جهات النظر التي تم طرحها كتعليقات على المقال السابق أن المكتتب السعودي لم يكن يتوقع أكثر من سهم واحد من اكتتاب الدريس ومع ذلك غُطي الاكتتاب 13 مرة. وهنا اتهام للمكتتب السعودي بعدم الرشد الاقتصادي وإنه لا يراعي التكاليف المترتبة على اكتتابه ولا الفرص الضائعة عن مثل هذا الاكتتاب, بمعنى آخر لا يقارن بين البدائل بطريقة اقتصادية وهذا ينقصه الدليل وإن كان يؤيده توجه العديد من المكتتبين السعوديين إلى الدول الشقيقة المجاورة للحصول على أسهم لن تعوضهم تكلفة سفرهم فضلا عن الفرص الضائعة في بلدهم. ولكن قبل الحكم على هذه المقولة لا بد من استبعاد أولئك المكتتبين لغرض فتح محافظ استثمارية فقط. وهذا اتجاه ساد أخيرا وخاصة في اكتتاب الدريس. فهناك من اكتتب فقط لفرصة فتح محفظة في هذا البنك أو ذاك لأنه بغير ذلك لن يستطيع إيفاء شروط البنك الصعبة لفتح محفظة, كما أن عدد هؤلاء المكتتبين غير معروف.
وكما فهمت من التعليقات أيضا أن المكتتب السعودي قد رضي بسهم واحد ولكنه مجبور بحكم النظام على أن يكتتب في الحد الأدنى وهو عشرة أسهم، فكأن النظام قد ساهم في رفع تكلفة الفرصة البديلة على الأفراد على الرغم من الاختلاف بين الاكتتابات وعدد الأسهم المطروحة. وهذا يشير إلى دور الأنظمة المعمول بها حاليا في رفع تكلفة الفرصة الضائعة على الأفراد.
وهكذا تبدو المشكلة أكثر تعقيدا من مجرد طرح اكتتاب ضعيف. فالقضية قضية أنظمة منها ما يتعلق بالمصدر والمتعهد للاكتتاب ومنها ما يتعلق بالقرارات النظامية للاكتتاب ومنها ما يتعلق بالبنوك. على المصدر وكما ذكرت سابقا أن يفصح عن مركزه المالي قبل الاكتتاب مع ميزانية تقديرية لما بعد الاكتتاب وعلى مدير الاكتتاب أن يقدم تنبؤات وتقديرات جيدة عن حال الاكتتاب وعدد الأسهم المخصصة. كما على هيئة السوق CMA أن تنظر إلى كل اكتتاب بطريقة مختلفة فتغير الحد الأدنى من عدد الأسهم الواجب الاكتتاب فيها من اكتتاب إلى آخر حسب التنبؤات بعدد الأسهم المخصصة ومستوى الإقبال على الاكتتاب, حتى لو يصل الأمر إلى سهم واحد فقط (كما أشار إلى ذلك احد القراء في تعليقه). أما القطاع البنكي فإني أراه يسير في عربته الفاخرة غير آبه بما يحدث للسوق.
بعض القراء أشار إلى نقطة الإثراء الاجتماعي التي أراها نقطة مهمة جدا في مشروع الاكتتابات الأولية خاصة أننا مقبلون على مرحلة اكتتابات ضخمة. فعلى الرغم من بقاء الأسئلة مفتوحة حول عدد الأسهم المطروحة للاكتتاب العام إلا أن عملية التخصيص تحتاج إلى إعادة نظر للتعويض عن تكلفة الفرصة الضائعة وكذلك لتحقيق تنمية الأسرة السعودية من جانب آخر. تتميز الأسرة السعودية في الغالب بعدد أفرادها الذي قد يصل إلى 40 شخصا مما يستدعي دفع مبالغ كبيرة للاكتتاب عن الأسر الكبيرة مقابل الأسر الصغيرة فضلا عن المكتتب الفرد. وإذا كنا نمر باكتتابات غير مسبوقة (اكتتاب مدينة الملك عبد الله الاقتصادية) فإني أعتقد أنه ولدواعي التنمية الاجتماعية لا بد أن يخصص للأسر الأكبر عدد أكبر من الأسهم بما يعكس أثره على أفرادها ويعوض كذلك عن تكلفة الفرصة الضائعة. والمعنى هو إعداد جدول تخصيص يراعي جانب حجم الأسرة السعودية (تحسب بطريقة اكتوارية)، فالأسرة المكونة من أربعة أفراد تحصل على ستة أسهم وهكذا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي