كيف أحسنت إسرائيل إلى الفلسطينيين دون أن تدري؟!
اتسم العهد الذي تولى فيه شارون السلطة في إسرائيل بأنه أسوأ عهد مر على القضية الفلسطينية، والفلسطينيين منذ قيام الصراع بينهما، وتمثل هذا السوء في صور عدة أبرزها تصعيد العلاقة مع الزعامة الفلسطينية، ومع المقاومة على حد سواء، وإغلاق أي فرصة قد يأتي منها الأمل للفلسطينيين للتفاوض على الحصول على جزء من حقهم، وليس الحق كله، كما تمثل في ملاحقة الزعامات الفلسطينية وحصرها وحصارها، بدءاً من الزعيم الراحل ياسر عرفات الذي فرض شارون عليه الحصار داخل سجنه الكبير، أمام مرآى ومسمع كل الزعامات العربية والإسلامية التي لم تستطع، أو حتى تحاول، فك ذلك الحصار، رغم كونه يعد بادرة خطيرة في السياسة الدولية، يمكن أن يتعرض لها أي زعيم، ولم يستطع مغادرته إلا بعد أن حكمت عليه إسرائيل بالموت البطيء مقهوراً، أو متسمماً كما شاع، في طريقه إلى القبر، وانتهاء بزعماء المقاومة وأطفالها، حيث اقتنصتهم واحد واحدا، بمن فيهم ذلك الشيخ الجليل المريض الضرير، أحمد ياسين، الذي لم تخِفه الملاحقة، ولم تثنه عن صلاة الفجر جماعة، ليواجه الموت بعد خروجه، دون أن يفاجأ به هو ومن كان معه، وهو خارج للتو من صلاته، فمزقت جسده النحيل في أبشع صورة يمكن أن يكون عليها القتل، ومروراً بقيادات المقاومة وشبابها الذين لم يثنهم عن مواصلة مقاومة الاحتلال، علمهم الأكيد بمصيرهم ومصير أسرهم الذي سيكون تحت أنقاض بيوتهم في اليوم التالي لأي عملية مقاومة يقومون بها!!
لقد تجاوز شارون، في عمليات التدمير والفتك، والظلم والطغيان كل أساليب الإجرام التي يمكن أن تخطر على البال، أو التي مارسها الطغاة والجبابرة على مر التاريخ، ضد أعدائهم، حتى المحرقة التي يدعون أن اليهود تعرضوا لها لم تكن ببشاعة ما جرى ويجري من حرق وتمزيق الأجساد، وتطاير الأدمغة والأحشاء، وهدم البيوت على ساكنيها من الشيوخ والعجزة والأطفال الذين لم يشاركوا في المقاومة لعجزهم، وذلك بصورة وحشية، أمام مجتمع دولي يدعي التحضر والديمقراطية، تحت سمع وبصر منظمات حقوق الإنسان، وكأن الفلسطينيين هم من أوقد تلك المحرقة كي يتلقوا وحدهم حقد اليهود إزاء تلك الفعلة، فوق أرض بعيدة عن أرض المحرقة، وضد شعب لم تكن له علاقة بها من قريب أو بعيد!!
ورغم المرونة المتناهية في الوداعة والتنازلات التي أبدتها السلطة يوماً بعد آخر، بقصد إحراج إسرائيل أمام العالم، وإثبات قناعتها، أي السلطة، بمقولة: ما لا يدرك كله لا يترك جله، وضغوطها المستمرة على أجنحة المقاومة، من أجل التهدئة، وإعطاء هدنة بعد أخرى، أملا في فتح بارقة أمل للتفاوض، إلا أن إسرائيل لم تكن راغبة أصلا في ذلك إلا وفق مبدأ الاستسلام الكامل، وعلى أشلاء القضية، حتى تملي شروطها في التفاوض من موقف الجلاد، والتي تجسد أولها في إقامة الجدار العازل الذي التهمت داخله كلما أرادت، وزعمت أنها من خلال ذلك ستجعل المقاومة ترضخ للأمر الواقع، ولم يدر بخلدها أن ذلك الجدار سيؤجج نار المقاومة، ويزيدها وقوداً، وسيتحول إلى مدونة للفلسطينيين يمارسون فيها رسم شعارات المقاومة، وتسطير عبارات الحماس، وإذكاء روح المقاومة لدى الشباب والأطفال من يوم ولادتهم، كأول خدمة تقدمها إسرائيل للقضية من حيث لا تشعر، وسيظل الجدار، إلى أن تضطر إسرائيل إلى هدمه مرغمة، شاهدا على الظلم، وفي الوقت نفسه مصدر إلهام وإذكاء للمشاعر، وكأني بشارون، لو كان في عنفوانه، يتمنى لو لم يوجد هذا الجدار اللعين، الذي لم يحل، رغم تحصينه، دون وصول المقاومة للعمق الإسرائيلي، بل عمق شارون نفسه حين لاحقته لعنة الجدار، ودعوات العجزة والأيتام ليلقى مصيره صريع الجلطات لا حياً ولا ميتاً.
أما الخدمة الثانية التي قدمها شارون للقضية فهي المبالغة في الجبروت والتنكيل والتقتيل لجيل المقاومة ظناً منه أنه سينجح في اقتناصهم واحداً واحداً، ولم يفكر أبداً أن كل زعيم يسقط، ويهدم منزل أسرته على من بقي فيه، سيخلفه عشرة مقاومين ينبتون من بين الركام والأنقاض، حتى تحولت الأرض من حوله إلى جيش من المقاومة يفوق في عدده عدد الحجارة التي كانت وقود المقاومة الأولى، حتى إذا ما حان وقت الانتخابات لم يتردد الشعب في تقديم أصواته بسخاء إلى من علق عليهم الآمال في استرجاع حقه وكرامته، وكانت هذه هي المفاجأة التي أذهلت إسرائيل، وقضت على آمال شارون في الحياة.
أما أمريكا التي كانت، وما زالت، تتظاهر بالمناداة بالديمقراطية، والتلويح بها في وجه بعض حكام المنطقة من باب التهديد لإخافتهم وإبقائهم في فلك إرادتها المتمثلة في المحافظة على مصالحها في المقام الأول، دون اعتبار لأي عامل آخر، فإنها هي أول من تخيفه الديمقراطية إذا تعرفت عليها شعوب المنطقة، التي شبعت وتشبعت بكراهية السياسة الأمريكية، وليس الشعب الأمريكي، لعلمها، أي أمريكا بما ستكون عليه مواقف الشعوب منها عندما يكون الأمر بيدها، لذلك فمن الخطأ الاعتقاد بجدية أمريكا في مناداتها بالديمقراطية، خاصة بعدما آلت إليه الأوضاع في فلسطين وأصبح الأمر بيد من تعدّه ألدّ أعدائها، فأسقط في يدها ولم تجد أمامها سوى دفع إسرائيل والتضامن معها في الإصرار على اعتراف السلطة الجديدة بحق إسرائيل في الوجود كشرط للتفاوض معها.
سبحان الله، عندما كانت السلطة الشرعية "السابقة" تتودد لإسرائيل بالتنازلات والبقاء على الجزء الأكبر من الوطن، ولم تطمع إلا في القليل، لم تعترف إسرائيل أصلا بوجودها كدولة ذات كيان، وتمادت في الغطرسة والاستهتار بقرارات الأمم المتحدة، التي هي عضو فيها، وتحدت مشاعر العالم بضم القدس إليها وإعلانها عاصمة لها على رؤوس الأشهاد، تأتي الآن لكي تطلب من السلطة الجديدة الاعتراف بحقها في البقاء!
انظروا كيف غيرت المقاومة الأحوال، وانقلبت المعادلة، وأصبح موقف السلطة هو الأقوى فهي التي تمن على إسرائيل بالحق في الوجود، بعد أن عاشت إسرائيل ما يقارب ستة عقود في وهم الوجود الذي أصبح الآن مرهونا بيد من كانت تسميهم الإرهابيين، وإذ بها تعترف بوجه خفي، بهم كمالكين لحقها في الوجود!
هناك مثل يقول: إن كثرة الضغط تولد الانفجار، وها هي إسرائيل تمادت في الضغط، وحرق الأرض بمن فيها حتى انصهرت وانفجر البركان، وأخذ يلقي بحممه من فوق السور، ويهدد كل من يعيش في إسرائيل، ولو أنها استجابت لبعض نداءات العقلاء من الزعماء، وبعض، ولا أقول كل قرارات الأمم المتحدة، وتقبلت وجود أصحاب الأرض على جزء من أرضهم، لما حصل ما حصل ولما أصبحت هي تطالب بحقها في الوجود بعدما كان هذا الحق في يدها وأضاعته، ولم ينفعها اعتراف كل زعامات العالم بهذا الحق طالما لم يعترف به أصحاب الحق والأرض التي تحتلها.
كل الشواهد الآن تثبت فشل السياسة التي انتهجتها إسرائيل برعاية وتأييد أمريكا، فإسرائيل، كما أشرنا، تستجدي الآن الاعتراف بالوجود من السلطة، والولايات المتحدة غارقة في وحول سياستها التي تزيد رصيدها من الكراهية لدى شعوب العالم قاطبة، اللهم إلا من تجبره الظروف على المهادنة والمداهنة، وتتمنى، أي أمريكا، لو تمكنت من المصالحة مع الشعوب التي أثبتت الأحداث أنها هي التي تستطيع تغيير وجه السياسة، وتملك وحدها القوة في منح إسرائيل الحق في الوجود.
الخلاصة التي أستطيع الخروج بها هي أن مستقبل القضية الفلسطينية سيكون أفضل من ماضيها لا محالة، وأن إسرائيل ستراجع سياستها في ضوء ما أثبتته الأيام من فشل هذه السياسة، وأنها لم تولد سوى المزيد من التمسك بالحق كله، بعد أن كان بالإمكان التنازل عن جزء منه، وسوف ترضخ، إن عاجلا وإن آجلا، لطلب التفاوض والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في العيش على أرضه، ولن يتجرأ من يحل محل شارون على إنكار هذا الحق، والتمادي في الطريق نفسه الذي اختطه، لأن شبح النتيجة التي آلت إليها هذه السياسة سيطارده ويقض مضجعه، فضلا عن المصير الذي انتهى إليه سلفه.
والله من وراء القصد.
كاتب في الشأن العام