الغرف التجارية الصناعية والدور المفقود..!
تخوض المنطقة الشرقية هذه الأيام انتخابات الغرفة التجارية الصناعية وقد سبقتها انتخابات جدة، وهي نسخ تتكرر في كل دورة انتخابية دون تغيير يذكر. فما زالت العملية الانتخابية تعتمد على العلاقات مع المفاتيح الانتخابية والنافذين والوجهاء دون أن يكون هناك برامج انتخابية واضحة المعالم وفق خطط زمنية محددة تتصدى للموضوعات والقضايا المهمة والحاسمة التي تنبئ عن فهم وإدراك لأولويات ما يجب عمله وكيفية تحقيقه. وفي كل مرة نجد أنفسنا أمام مجموعات متضامنة وتكتلات من رجال الأعمال تعلن عن عزمها على عمل ما يعجز عنه الآخرون عبر خطابات عاطفية منمقة تستجدي المدعوين في احتفاليات كبيرة وولائم عامرة من أجل مساندتهم ودعمهم دون التعرض ولو بشيء من التحليل لواقع الحال، وأوجه القصور بناء على إحصائيات وأرقام تحاكي المنطق وتبين حجم المشكلة، ومن ثم توضيح الغايات والوضع المرغوب وما يجب عمله وكيفية تحقيقه، وإيجاد أوضاع وفرص أفضل لسكان المنطقة. لم يعد بالإمكان الاعتماد على المجاملات والعلاقات الشخصية مع أهميتها في أي عملية انتخابية، فالتحديات تستلزم النظر إلى دور الغرف التجارية الصناعية بأكثر جدية وتفحص يتعدى كونها ناديا كبيرا لرجال الأعمال تحقق مصالح آنية فردية أو علاقات عامة شكلية أو مواجهة مشاكل طارئة وردود أفعال عابرة، لم يعد بالإمكان اختزال منصب عضوية مجلس الغرفة فقط من أجل الوجاهة الاجتماعية، وتسجيل حضور اجتماعي والإعلان عن النفس ورعاية المصالح الخاصة.
الغرفة التجارية الصناعية تكاد تكون المؤسسة الوحيدة التي تنطبق عليها صفة مؤسسات المجتمع المدني، ولذا فهي تتيح الفرصة لممارسة حق اتخاذ القرار من منظور مدني غير ربحي صرف يتميز عما عهدناه من احتكار لعملية صنع القرار بين القطاعين الخاص والحكومي. من هنا كانت أهمية الغرف التجارية الصناعية من حيث إنها تستجيب للمتطلبات وتلبي الحاجات وتسد الثغرة فيما يعجز عنه القطاعان الخاص والحكومي. الغرف التجارية الصناعية الوحيدة التي في استطاعتها تلبية حاجات عامة ومصالح مشتركة لفئة كبيرة من الناس عبر استقلال مالي وإداري وإرادة ووسيلة خاصة، وهذا بالفعل جوهر العمل المؤسسي المدني وسر تميزه واختلافه عن القطاعين الخاص والعام. إذا لم يلتفت لهذه الميزة ويتحدد دور الغرف على أساسه فإن ذلك يشكل قصورا كبيرا وعجزا في مواجهة التحديات والتصدي للمشاكل والمبادرة في وضع الخطط والاستراتيجيات التي تقود نحو تحقيق تطلعات ليس مجتمع الأعمال وحسب، ولكن المجتمع المحلي بكل فئاته ومكوناته. لقد حان الوقت في أن تكون هناك مراجعة جادة للدور المطلوب، الدور الحقيقي، الدور الاستراتيجي الذي يجب أن تضطلع به الغرف. بمعنى آخر على الغرف التجارية الصناعية أن تلعب الدور الذي كان عليها أن تلعبه منذ زمن طويل وهو تنمية اقتصاد المنطقة. هذا الدور الذي تتأكد أهميته أكثر من ذي قبل في هذه المرحلة الحاسمة الحرجة، وفي ظل المتغيرات والمستجدات السريعة المتتالية. هذا الدور يتطلب المبادرة في رسم خريطة اقتصادية للمنطقة توضح الوضع الحالي، وأين يجب أن نتجه وما الموارد المطلوبة وكيفية التغلب على المعوقات والتحديات؟ لا أن تغرق في موضوعات روتينية ومصالح فردية ضيقة أو قرارات وليدة لحظتها على نطاق لا يتعدى حدود مبناها ومصالح كبار رجال الأعمال فيها!. في هذا السياق هناك سؤال طالما حيرني! ماذا فعلت الغرف التجارية الصناعية لصغار المستثمرين طوال سني إنشائها؟! أتحدث عن أصحاب المحال التجارية الصغيرة الاستهلاكية في الأحياء السكنية وتجار التجزئة في وسط المدينة. أعتقد أن السؤال يمكن إعادة صياغته بالشكل التالي: أين الغرف التجارية الصناعية من الحالة العامة للاقتصاد المحلي والإقليمي؟ أراهن أنه لو تم استفتاء على نطاق واسع لجميع منتسبي الغرفة حول استمرارية عمل الغرف من عدمه لاختار الكثيروين إلغاءها! لأنهم لا يرون فائدة تذكر، فلا خدمات ملموسة ولا إجراءات وأنظمة تحميهم ولا خطط واستراتيجيات في مقابل رسوم انتساب باهظة تفرض عليهم من أجل إنهاء معاملات روتينية لا تتعدى التصديق على معاملات تجارية أو مخاطبة جهة رسمية وعلاقات عامة!. أعتقد أن مجتمع الأعمال يستحق أكثر من ذلك، بحيث يكون هناك توجه نحو تهيئة المناخ العام لاقتصاد المنطقة والإسهام في وضع الأطر القانونية والاستراتيجيات الاقتصادية والسياسات التجارية والصناعية لجعلها في وضع تنافسي أفضل ومكان جذب للاستثمار. ما يجب إدراكه هو أن الغرف التجارية الصناعية مؤسسات إقليمية وليست محلية في نطاق المدن الرئيسة. لذا كان من الضروري التعرف على الإمكانات التنموية في المنطقة، وتوجيه الجهود نحو تطويرها عبر استراتيجيات وسياسات مرحلية وأهداف ورؤى مستقبلية.
إن نجاح الغرف في مهمتها مرهون بقدرتها على تحقيق الانتعاش الاقتصادي وزيادة دخول سكان المنطقة بجميع فئاتهم ومستوياتهم الاقتصادية، حينها يدرك الجميع أهميتها ويصبحون أكثر قناعة بدورها. هذا يستدعي بالضرورة تحفيز وتطوير القطاعات التصديرية الجاذبة للدخل من خارج المنطقة. وفي الوقت نفسه أهمية إدارة وتنظيم العمل التجاري والصناعي والسوق المحلية وتهيئة الفرص لصغار التجار والصناع المحليين للمشاركة في التنمية الاقتصادية. هذا الهدف يجب أن يكون الإطار الذي يحكم عمليات صنع واتخاذ القرار فيما يتعلق بالاستثمارات والأنشطة والتنظيمات التجارية والصناعية. آخذين في الاعتبار أن تكون التنمية الاقتصادية تنمية مستدامة مبنية على القيم الدينية والاجتماعية والبيئية.
إن من الضروري النظر إلى التنمية الاقتصادية كعمل جماعي يشارك فيها ويستفيد منها الجميع، وأنه لا مناص من تعاون جميع فئات مجتمع الأعمال مع تفاوت إسهاماتهم وقدراتهم الاستثمارية. هذه الفلسفة في عمل الغرف تستدعي إشراك أكبر قدر ممكن من مجتمع المنطقة في عملية صنع السياسات وتحديد أولويات العمل التجاري والصناعي. وهذا يتطلب توفير المعلومات والإحصاءات عما تحقق بكل شفافية ومصداقية بشكل دوري ومنتظم وعبر وسائل متاحة للجميع. من جهة أخرى يلزم أن تكون هناك جمعية عمومية تجتمع سنويا للموافقة على المسائل والقضايا الرئيسة وتقييم التقرير السنوي عما أنجز وما يتوقع إنجازه في السنة القادمة. إن استشفاف آراء المنتسبين للغرف أمر في غاية الأهمية، ليس كونه رافدا للتعرف على ما يتطلعون إليه وحسب، ولكن يؤدي إلى توثيق ارتباطهم وولائهم وبالتالي يكونو أكثر دافعية وحماسا للإسهام في تحقيق توجهات وسياسات الغرفة والتعاون معها في إنجاح الخطط التنموية.
إن قناعة سكان المنطقة بأن منطقتهم مؤهلة لأن تكون منطقة تجارية وصناعية متميزة خلال السنوات الخمس القادمة، على سبيل المثال، يستدعي تبنّي استراتيجية تغيير في المفاهيم وإعادة تثقيف للمجتمع وتكوين رؤية مستقبلية واضحة ومتفق عليها في جعل المنطقة الوجهة الأساسية للاستثمار. لذا فإن المهمة الرئيسة هي إيجاد صيغة لتنسيق الجهود بين العاملين والمهتمين والمستفيدين والمؤثرين والمتأثرين في قطاع الأعمال بما في ذلك الأجهزة الحكومية وجميع أفراد المجتمع، بحيث يتفق على خطة استراتيجية تحدد كيفية الارتقاء بقطاع الأعمال، وتشجيع جلب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد المحلي للمنطقة، وتحديد الأدوار والتنسيق فيما بينها. وهنا يجدر تطبيق منهج التخطيط الشامل للتأكد من الموازنة بين تلبية احتياجات ورغبات كل من رجال الأعمال وسكان المنطقة، بحيث يكون هناك مزاوجة بين الأهداف الاستراتيجية للغرفة وخطط وسياسات الأجهزة الحكومية.
الغرف من وجهة نظري، يفترض أن تركز جهودها نحو وضع البرامج والخطط التي تعكس توجهات رجال الأعمال صغارا وكبارا لتكسب دعمهم وتأييدهم وتصبح الغرفة ذات قيمة اجتماعية تكسب احترام وتقدير الجميع. أي أن الغرفة لا تقتصر مهمتها على تقديم خدماتها كمنظمة Organization للمستفيدين وتحصيل الرسوم وحسب ولكن يلزم أن تتحول إلى مؤسسة Institutionذات قيمة اجتماعية يحرص الجميع على استمرارها وتطورها، إذ إنها تعكس اهتمام وتوجهات أفراد وفئات المجتمع وتحقق لهم ما لا يستطيعون تحقيقه دونها.
الغرف ستكون لاعباً أساسا في بناء مجتمع معرفي واقتصاد رقمي وتجارة إلكترونية، بل يلزم أن تتولى قيادة هذا التوجه لأنه في صالح قطاع الأعمال. فخبرتها المحلية تؤهلها للعب هذا الدور، وسيزيد من أهميتها مع مرور الوقت إذا ما أحسن توثيق البيانات والتجارب والخبرات. ولا بد من التأكيد على أنه من واجب الغرف تلبية احتياجات وتقديم خدمات يفتقدها المنتسبون في الوقت الحاضر. فهي المؤسسة الوحيدة القادرة على تلبية احتياجاتهم، كونها تمثل النظرة الجماعية للمصالح الخاصة لرجال الأعمال والمجتمع المحلي للمنطقة.
ونافلة القول إن المهمة الرئيسة في الوقت الحاضر هي التحول من دور سلبي خجول شكلي إلى دور أكثر مبادرة وشجاعة وإبداعية في إحداث تغييرات جوهرية ترعى مصالح جميع التجار والصناع بمختلف مستوياتهم بتهيئة مناخ اقتصادي محفز للإنتاج والعمل ويزيد من الفرص والإمكانات. الدور الجديد المطلوب يجب أن يكون على مستوى الأحداث والتطورات والمتغيرات التي تشهدها المنطقة بل العالم بأسره. لقد أصبح على الغرفة تحمل مسؤوليات أكبر في تنظيم الاقتصاد المحلي للمنطقة، من خلال تبني استراتيجيات طويلة المدى والعمل على إقناع الجهات الحكومية بأهميتها وبضرورة التعاون من أجل حل كثير من القضايا الاقتصادية والاجتماعية مثل النمو الاقتصادي، جذب الاستثمار، البطالة، توطين الوظائف، الجريمة، الازدحام المروري.