تراجع تأثير العوامل الجيوسياسية على أسعار النفط مدفوعاً بإمكانية حل الملف النووي الإيراني
تتجه أنظار المراقبين لمعرفة رد فعل السوق النفطية على تصريحات لورد براوني كبير المسؤولين التنفيذيين لشركة ما وراء البترول، أو بي. بي سابقا، التي توقع فيها أن يتجه سعر برميل النفط إلى التراجع ليصل إلى 40 دولارا على المدى المتوسط وربما 25 دولارا على المدى البعيد.
براوني أدلى بتصريحاته هذه في مقابلة لمجلة "دير شبيجل" الألمانية تنشر نصها كاملا اليوم، وتم بث مقتطفات منها في عطلة نهاية الأسبوع. وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها مسؤول نفطي عن احتمالات تراجع في الأسعار بصورة كبيرة وواضحة بسبب النمو في العرض، مضيفا أنه في أقسى الأوقات لم يحدث انقطاع في الإمدادات، وأن التطورات التقنية التي تشهدها الصناعة أسهمت في رفع نسبة ما يمكن استخلاصه من المكامن النفطية، إذ كانت النسبة في حدود 20 - 30 في المائة في الماضي، وهي حاليا في حدود 40 - 45 في المائة، وليس هناك ما يمنع من رفعها إلى 50 - 60 في المائة، كما قال.
وتضيف تصريحات براوني هذه عاملا جديدا للمتابعة إلى جانب العوامل الجيوسياسية ووضع العرض والطلب بصورة عامة. فلوقت طويل ظلت الأنظار مركزة على الأبعاد السياسية والأمنية، خاصة احتمالات المواجهة بين إيران والدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة بخصوص الملف النووي الإيراني واحتمال حدوث مواجهة تؤدي إلى التأثير على وضع الامدادات للسوق خاصة بعد تصريحات مرشد الثورة علي خامئني الأسبوع الماضي التي لم يستبعد فيها اللجوء إلى السلاح النفطي.
على أن ما تسرب عن مجموعة الحوافز التي عرضتها مجموعة الست وهي الدول الخمس الاعضاء في مجلس الأمن: الولايات المتحدة، بريطانيا، روسيا، الصين وفرنسا إلى جانب ألمانيا، ويأتي على رأسها فتح باب للحوار المباشر بين واشنطن وطهران لأول مرة منذ أكثر من ربع قرن من الزمان، وتسهيل القنوات أمام إيران للاندماج في السوق العالمية، ورد الفعل الأولي من طهران أنها تدرس هذه المقترحات، أسهم كل هذا في التخفيف من حالة المواجهة وفتح الباب أمام الوصول إلى تسوية ما بخصوص الملف النووي الإيراني، الأمر الذي جعل بعض المحللين ينظرون في إمكانية سحب تأثير العوامل الجيوسياسية التي يقدر أنها تسهم بنحو 10 إلى 15 دولارا في سعر البرميل الحالي للنفط.
من ناحية أخرى فإن مقتل أبو مصعب الزرقاوي الأسبوع الماضي تجاوز التأثيرات الوقتية وأعاد إلى الأذهان أنه حتى في قمة نشاطه لم يستطع استهداف الصناعة النفطية كما كان يود، الأمر الذي جعل تأثيره محدودا وبالتالي فإن غيابه لا يشكل عاملا مفصليا في تأمين الصناعة النفطية، وجاء اختطاف أحد مسؤولي وزارة النفط العراقية ليؤكد هذه الحقيقة، وفي ذات الوقت أن الصناعة النفطية العراقية والسوق عموما تعايشت مع هذا الوضع.
لكن تبقى نيجيريا عنصر إقلاق للسوق بسبب توالي أحداث الاختطاف للعاملين الأجانب بواسطة المجموعات المتمردة في منطقة دلتا النيجر، وأهم من هذا ما برز من أرقام نشرت الأسبوع الماضي أن تأثير هذه الأحداث أدى إلى أن يصبح 800 ألف برميل من الإنتاج النيجيري خارج الشبكة، وهو رقم يزيد بنحو 60 في المائة عما كان سائدا من قبل.
وفيما يتعلق بوضع العرض والطلب، فإن بيانات المخزونات الأمريكية أظهرت استمرارا في نمو هذه المخزونات التجارية. فالنفط الخام زادت مخزوناته 1.1 مليون برميل إلى 346.6 مليون في الأسبوع المنتهي في الثاني من هذا الشهر. كما زادت مخزونات البنزين بنحو المليون برميل إلى 210.3 مليون، المقطرات 1.8 مليون برميل إلى 120.7 مليون. أما فيما يتعلق بالغاز الطبيعي فقد تم حقن 77 مليار قدم مكعب من الغاز في مخزونات الكهوف تحت الأرض، وهو أقل مما كان تتوقعه "وول ستريت" وذلك مقابل 80 مليار قدم تم حقنها في الأسبوع الأسبق و105 مليار قدم تم حقنها في الفترة نفسها من العام الماضي. وبهذا تجاوز مخزون الغاز 2.3 ترليون قدم، بزيادة 452 مليارا عما كان عليه قبل عام و678 مليارا فوق المعدل المعروف لفترة خمس سنوات.
من الناحية الأخرى فإن درجات الحرارة شهدت ارتفاعا واضحا. وسجلت في المتوسط زيادة 120 في المائة عن المعهود مما كانت عليه قبل عام و78 في المائة عما كانت عليه قبل أسبوع و44 في المائة زيادة فوق متوسط عشر سنوات، ويعني هذا المزيد من استهلاك الكهرباء للتبريد.
وضع الأسعار في الأسبوع الماضي شهد تذبذبات واضحة. ففي ختام الأسبوع ارتفع سعر البرميل بأكثر من دولار وذلك عكسا للاتجاه التنازلي الذي كان سائدا خلال الأيام الثلاثة السابقة وذلك في ردود فعل وقتية على تطورات هنا وهناك مثل بعض التصريحات الإيرانية المتسمة بالشدة، الوضع في نيجيريا من حوادث الاختطاف وغيرها، إلى جانب الإعلان عن إغلاق مصفاة أوروبا في الولايات وهي بطاقة 240 ألف برميل يوميا لأسباب تتعلق بخلل في الإمداد الكهربائي للمصفاة، الأمر الذي يزيد من حالة الاختناق في الإمدادات، وهو ما يمكن أن يستمر لبضعة أسابيع.
وحققت شحنات تموز (يوليو) المقبل من خام ويست تكساس الحلو زيادة بلغت 1.28 دولار للبرميل إلى 71.63 دولار وكذلك خام برنت سجل ارتفاعا مقداره 1.43 دولار للبرميل إلى 70.48 دولار، الأمر الذي يؤكد على النمو في سعر بنسبة الثلث خلال فترة عام. وهو ما يثير تساؤلا خول إمكانية صمود هذا المعدل العالي في وجه المتغيرات التي تحفل بها السوق وتعايشها مع عمليات الاضطراب السياسي والأمني من ناحية والنمو في الإمدادات من الناحية الأخرى.