التعليم العالي بين كمِ المدخلات ونوع المخرجات
لقد دعمت الدولة وما زالت تقدم الدعم الجزيل للتعليم العام والفني والتعليم العالي بغية رفع مستوى الفرد الفكري والثقافي وتحقيق تقدم الوطن ومتابعة ازدهاره بسواعد أبنائه. ولقد ازدهر التعليم العالي حتى بداية الثمانينيات وخرج أساتذة أثروا الساحة العلمية والفكرية, وتمكنوا من تخريج كوادر أبلت فأحسنت فأصبحت جديرة بقيادة أو المشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية من مواقعها في القطاعات المختلفة. وهاهي وزارة التعليم العالي تحمل في أجندتها افتتاح عدد من الجامعات للتعليم العالي وتوافق على افتتاح جامعات أهلية أخرى وتستقبل فروعا لجامعات عالمية من ضمن استراتيجية وخطط تنفيذية يؤمل أن تسير بالتعليم العالي نحو آفاق مضيئة بإذن الله. الأوساط الأكاديمية تثمن هذه النقلة النوعية في التعليم وتعول عليها الكثير, وكذلك القطاع الاقتصادي فهو يتوقع تنمية وتطويرا غير مسبوقين, حيث يؤمل أن تقود الجامعات بمخرجاتها وإشرافها على البحث العلمي تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي ومواكبته لمتطلبات العصر. إلا أن كل ذلك ما زال آمالا وتوقعات, حيث من المؤكد أن أمام وزارة التعليم العالي الكثير لتقوم به حتى تجاري زخامة ونوع العمل الذي تواجهه الآن بعد أن كانت في إجازة لمدة 20 عاما. في مقالة الدكتور أمين ساعاتي في جريدة "الاقتصادية" عدد يوم الأحد 29 ذي الحجة, وصفٌ وتشخيص للداء الذي ألمَّ بالتعليم العالي وبالذات الجامعات أخيرا. فقد ركز في المقالة على أسباب ضعف الاستعداد وتراجع مستوى المخرجات. وبالتالي دعا الدكتور ساعاتي إلى عقد مؤتمر عاجل يضع خططا واستراتيجيات وحلولا يمكن بها تحسين صورة مخرجات التعليم العالي ورفع كفاءتها مع إعادة هيبة الجامعات أو بعضها لسابق عهدها حتى تنافس في جودتها أفضل الجامعات في العالم. قد يكون ذلك أحد الطروحات الجيدة في الوقت الحاضر إلا أن مثل هذه المؤتمرات من وجهة نظري استغرقت منا الوقت الكثير سابقا, وكالمعتاد لم نجنِ فائدة تذكر, بل أضيفت توصيات جديدة لتثقل الكاهل بما لا يتم تنفيذه, أو غير قابل للتنفيذ, أو لم توضع لها آلية للتنفيذ. ولئلا نصد الأبواب ونحبط المحاولات البناءة مثل هذه فقد أوافق الدكتور ساعاتي في رأيه, شريطة أن تواجه وزارة التعليم العالي الحقائق بكل صدر رحب وتقوم بمراجعة السلبيات السابقة ومحاكاتها بهدف تحويلها إلى إيجابيات.
فلو تصورنا أن قاعدة البيانات التي أعدت من خلال المشروع الوطني لتعداد السكان الأخير هي أساس التخطيط للتنمية الشاملة ومن ضمنها بناء الجامعات الجديدة وتشييد وتحديد سعة القبول فيها وأنواع التخصصات المختلفة المفترض الاستمرار في فتحها أو قفلها. وإن الاستراتيجيات الآن تركز على توفير كوادر مؤهلة تأهيلا عاليا في المناطق كافة بهدف تحقيق تنمية متوازنة من خلال توطين الوظائف بأسلوب سلس ومرن, فإن هذا يعني انتشار الجامعات في أنحاء المملكة وبسعة قبول أقل يطَرد نسبيا مع الزمن, أفضل من زيادة الطاقة الاستيعابية للجامعات القائمة التي تنوء بحملها أصلا وهي محدودة العدد. وبما أن المراد هو تطوير نظام التعليم العالي فهل:
1 - سنتمكن من إلغاء الفجوة بين التعليم العام والتعليم العالي في جعل أعداد خريجي الثانوية العامة ومعدلات التخرج والخلفية الاجتماعية لكل خريج من ضمن مكونات المعادلة الخاصة بوضع الاستراتيجية العامة للتعليم؟.
2 - سيستمر تنفيذ اللوائح والأنظمة وتوفير الوظائف بين الجامعات متباينا، فتتميز جامعة وتحبط أخرى؟.
3 - ستتزايد الفجوة بين أداء الأبحاث العلمية وتطبيق نتائجها والإفادة منها على المستوى الجامعي والاجتماعي؟
4 - ستتسع الفجوة بين القطاعات الإنتاجية أو الخدمية والجامعات بالاعتماد على الانتقائية الشخصية لا التخصصية والمحققة للأهداف التنموية لكلا الطرفين؟.
5 - سيستمر الاعتداد بالقدرة المالية أو العددية على سير برامج الدراسات العليا دون الاكتراث لما هو أهم وهو القدرة والتمكن العلمي في توافر المرجعية العلمية لكل تخصص بالإضافة إلى الحنكة الإدارية للمسؤولين عن الدراسات العليا؟.
6 - ستظل الخطط والمناهج العلمية تدرس لعشرات السنين دون تقييم دوري لها وبالتالي نفقد أهم أهداف الجامعات بإبراز القدرات والإمكانات, وتطوير طريقة التفكير لشباب تكونت شخصياتهم في مراحل التعليم السابقة؟.
7 - سيسمح بفتح التخصصات وقفلها دون التنسيق مع الجهات والقطاعات الإنتاجية والخدمية لتحديد حجم الحاجة ونوعها, وتفاديا للازدواجية وتشبع السوق دون توجيه صحيح للموارد؟.
8 - سيستمر وأد الفرص للراغبين في إكمال دراساتهم العليا ولم يحققوا معدلات عالية في مرحلة البكالوريس؟
9 - ستستمر حركة الابتعاث الخارجي في التخصصات المختلفة ودون توازن مع مخرجات جامعاتنا؟ وبأي أعداد؟ ودون دراسة لكيفية الاستفادة منهم بعد العودة إلى أرض الوطن؟
10 - ندعم تكوين تكتلات علمية, وثقافية, واجتماعية, واقتصادية ممثلة في الجمعيات أو الهيئات أو النقابات بهدف مساعدة الباحثين خاصة والأجهزة التشريعية والخدمية عامة بما يعود على المجتمع بالتطوير والنماء المستديم؟
11 - يتم إنشاء الجامعات في بنايات وشقق سكنية بين الأحياء, أم في حرم جامعي متكامل الخدمات وعلى أسس ومعايير علمية يستفيد منها كافة المنسوبين أساتذة وإداريين وطلبة ويرتقي بأسلوب الحياة الجامعية؟.
12 - تستمر رئاسة مجالس الجامعات بالآلية نفسها التي استمرت دون تفعيل لدور معالي مدير الجامعة وعمداء الكليات المسؤولين عن التطوير العلمي والتنمية الفكرية بشكل مباشر؟.
13 - تستمر آلية تكليف رؤساء الأقسام والعمداء كما هي الآن, أم تتم إعادة نظام انتخابهم وضمن الأطر العامة التي تحفظ كيان الجامعة وأهداف التعليم العالي؟
إن هذا يسير من كثير كان من المفترض أن يتم التعامل معه كمحاور للتطوير, تفاديا للوقوع في هذا المصير. لقد تم إيقاف الابتعاث للخارج سابقا لتراكم الديون على الجامعات, الأمر الذي جفف الينابيع وأوجد الفجوات في الهرم الأكاديمي وجمد عضو هيئة التدريس فجعله يبحث عن تحسين وضعه بممارسة الأشغال الشاقة تحسينا لدخله وتأمينا لمسكنه. كما لم يتم وضع آلية لتنظيم سداد الديون والحفاظ على هيبة الجامعة فبدأت الجامعات تتهاوى الواحدة تلو الأخرى إلى أن أصبحنا نتحجج بضعف المخرجات. الآن وبعد أن تحسن الوضع الاقتصادي للمملكة, ما هو المنظور القريب والبعيد لكيفية تعامل الجامعات مع موازناتها وبرامج التخصيص؟ وما دور منسوبيها في ذلك محليا وخليجيا ودوليا؟. وإذا ما أردنا أن نتحرك على المستوى الخليجي – على الأقل - فكيف سنفعِل تعاون دول مجلس التعاون الخليجي في قطاع التعليم عامة والتعليم العالي خاصة لتحقيق أهداف المجلس التنموية للسنوات العشر المقبلة؟
إن المجتمع ينظر بأمل, ويبحث عن ربط التطور الحضري والتنموي بتقدم العلوم النظرية والعملية وتحقيق التنمية المستدامة في توازن بيئي وصحي وعلمي في ظل الخير الوفير, ولا أعتقد أن بمحاولاتنا الحالية سنصل إلى تحقيق ذلك. أما إذا عقدنا العزم على إقامة المؤتمر فلا بد أن تتم الإجابة أولا عن الأسئلة السابقة بكل شفافية, عندها سيسعى الجميع وليس منسوبو وزارة التعليم العالي فقط, للتعاون في تنفيذ توصيات هذا المؤتمر المنتظر ومن ثم متابعة مسيرة التنمية الشاملة للحفاظ على استدامتها.