استفزاز الغرب
عجيب أمرنا مع الغرب, نهرب منه ونهرول إليه, نشتمه ثم لا نستحي أن نرفل بالحل والحلل من عنده، حريصون على تأديبه ومعاقبته وصفعه بالعواطف والهياج والصراخ في المجالس والمنابر والنشرات الصفراء والأشرطة الشوهاء, لكننا نستميت على سلعه وبضائعه فلا نثق إلا بها ولا نبحث إلا عنها تسمعنا نؤكد أو نتأكد (هذا أصلي؟!) نقصد السيارة الأمريكية, الجولات الفنلندية والألمانية, المكرونة الإيطالية, شوربة الكويكر والماجي, وأنوع الغذاء والدواء, الغتر والأشمغة السويسرية, الساعات والنظارات والأحذية الأوروبية, العطور والملابس الفرنسية, لوازم البناء والرفاه, عدة السفر والترحال، وحتى عقاقير السعادة الزوجية!!
كل هذا .. ولا نجد حرجا في الانقضاض على الغرب عند بروز أي شائعة أو أي إساءة أو أي خطيئة أو أخطاء، كأننا أوصياء عليه, أو أصحاب الفضل والمنة, ولسنا نحن من هم بأمس الحاجة إليه من الألف إلى الياء!!. وهو المقيم بكثافة في بيوتنا وفي مكاتبنا على نحو لا قبل لنا بالخلاص منه لأننا مستهلكون وهو المنتج, ولولا نعمة الله علينا في وجود النفط في أراضينا لبقينا نحلب النعجة والناقة والبقرة ونركب الجمال والحمير ولعشنا كما عاش أهلنا نأكل القديد والضب وأطراف الجراد والأقط والفقع, نرغد إن جاء الربيع ونتضور جوعا إن انحبس المطر.
لقد وحد الملك عبد العزيز, رحمة الله عليه, هذه الأرض، جعل منها أمة وقد كانت مزقا, نسج لها علاقات الصداقة والتعاون مع الأمم, ومع الزمن ومع ما كرسته الدولة من إنجازات تنموية بعدما تدفق النفط صارت بلادنا نجمة في سماء العصر الحديث، نقابل بالترحاب في المطارات وعند المعابر والحدود, نكون أول الداخلين لحظة يلمحون جوازنا الأخضر الباهر.
فأين الأمس من اليوم, بعدما قامت فئات ضالة وزمر متطرفة منا كافأت بلادها بالوقيعة بينها وبين الأمم؟ وبدلا من أن يكونوا لها سفراء محبة ورسل إنسانية صاروا أبالسة وأشرارا, زرعوا الإرهاب والخراب والكراهية في نفوس من كانوا يبسمون في وجوهنا, فصرنا نحشر في أواخر الطوابير، وبعضنا يتم التحفظ عليه لساعات تحت نظرات الشك المهينة والمراقبة المذلة.
ومع ذلك.. لا يبدو أننا تعلمنا الدرس ولا وعيناه فما زال هذا الهياج ضد الغرب جملة وتفصيلا يجد من ينفخ في ناره وبدلا من صوت الحكمة وانسداد يشعل هؤلاء فضاءات الإنترنت والإيمالات والرسائل الجوالية والملصقات والمقالات والنشرات والأشرطة اللا مسؤولة بالمغالطات والدعوات الفجة التي تخلط القطيعة بالمقاطعة وإحراج الدولة وعشيرتهم الأقربين للمضي في اتجاهات تؤلب الأعداء وتفتح الجراح.
كم أن دعوى مقاطعة الغرب مقولة مضللة, زرعتها في أذهاننا أصوات كارهة لنا, غررت بنا, أرادتنا أن ننجر للسقوط في مستنقع الشرور, حدث ذلك أثناء حرب عام 1967 تعالت أصوات من لا نفط عندهم لقطع النفط, وتكررت الدعوة في عام 1973 كما تعالت الأصوات لمقاطعة البضائع الغربية بسبب العدوان على فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان واليوم تتعالى من جديد.
تصوروا لو تم قطع النفط, آنذاك لربما دفعنا الغرب دفعا إلى ارتكاب حماقات عدوانية ضد بلادنا الآمنة, أما مقاطعة البضائع فقد ثبت أنها شطحات انفعالية غوغائية قصيرة النفس, لا تصمد وإنما سرعان ما ينسلخ عنها الداعون إليها, بل والتهافت على جلب العلامات غير المتوافرة في أسواقنا, فضلا عن أن هناك من يتستر بالمقاطعة نكاية ببعض أهلنا لضرب استثماراتهم وتكبيدهم وبالتالي تكبيد اقتصادنا الوطني خسارة هائلة وتعطيل مصالح ومصانع ومؤسسات وشركات وتسريح مئات العاملين وقذفهم في مهاوي البطالة مع كل ويلاتها.. في حين أن من نقاطعه لن يلبث أن يستبدل بنا بلدانا أخرى لا تهدده بكرة وأصيلا!!
إننا في استفزازنا للغرب في كل مرة تحدث لنا مشكلة معه, نسوقه إلى أن يتخذ مواقف حادة ضدنا قد لا تحمد عقباها, وإن كان هذا يرضي هؤلاء النافخين في نار الكراهية, فليتهم ينظرون ماذا حل بليبيا وبالسودان, وبالعراق, فأي بؤس فاقع اللون يريد هؤلاء جر بلادنا إليه؟!