مرض "النفطفوبيا" بين "التعاطي" و"الإدمان"
يدل خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأخير، والذي يعرف في الولايات المتحدة بخطاب "حالة الاتحاد"، على معاناة الأمريكيين من مرض "النفطفوبيا" أو ما يمكن ترجمته سياسياً بمرض "الخوف من الاعتماد على النفط العربي". كما يدل الخطاب على أن الأمريكيين يعانون من مرض آخر ألا وهو "تعاطي" النفط و"الإدمان" عليه. ردة فعل الصحافة العربية بشكل عام، والخليجية بشكل خاص، بالإضافة إلى ردود بعض المسؤولين في الخليج، تدل على أننا العرب نعاني أيضاً، وبشكل أكبر من الأمريكيين، من مرض "النفطفوبيا"، وعلينا أن نعترف بأننا "نتعاطى" النفط و"ندمن"عليه أكثر من كثير من دول العالم. فقد ارتعدت فرائص البعض من خطاب بوش خوفاً من أن تقوم الولايات المتحدة فعلاً بتخفيض اعتمادها على النفط في الشرق الأوسط. "ارتعاد الفرائص" من أعراض مرض "النفطفوبيا"!
قبل أن نبدأ بلوم حكومة بوش على ما قاله في خطابه الأخير، علينا أن نتذكر أنه في الوقت الذي تعتمد فيه الولايات المتحدة على استيراد 60 في المائة من إجمالي استهلاكها من النفط، فإن اعتماد كثير من الدول العربية على تصدير النفط يتجاوز 90 في المائة، كما أن النفط يشكل المصدر الأساس للدخل في أغلب الدول العربية. علينا أن نتذكر أنه حتى ما نسميه بـ "صادرات غير نفطية" يتمثل أغلبه في مواد بتروكيماوية تعتمد اعتماداً كلياً على قطاعي النفط والغاز. والأمر نفسه ينطبق على جزء كبير من مساهمة "القطاع غير النفطي" في الناتج المحلي.
اعتمادنا الكبير على النفط، وخوفنا من أن يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى انخفاض الدخل، وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وزيادة البطالة، وانهيار أسواق الأسهم، يجعل مرض "النفطفوبيا" عندنا أخطر بكثير من مرض "النفطفوبيا" عند الآخرين. بما أننا لا نستطيع عمل أي شيء إلا أن نصدّر نفطنا ونستمر بالاعتماد عليه، فإنه من الواضح أننا "نتعاطى" النفط و"ندمن" عليه لدرجة تكاد تكون قاتلة. فماذا لو تكللت جهود الرئيس بوش بالنجاح وتم تطوير تكنولوجيا جديدة تخفف من استهلاك النفط في السيارات بمقدار النصف؟ وماذا سيحصل لو انتشرت هذه التكنولوجيا في أنحاء العالم كافة؟
كما ترون، فإنني أنا أيضاً أعاني من "النفطفوبيا". وإذا كنت عزيزي القارئ لا تعاني من هذا المرض، فإن هذا المرض، مع الأسف، معدٍ وينتشر عبر قراءة هذا المقال وينتقل عندما تتكلم مع أي شخص آخر عنه.
لقد ارتفعت أسعار النفط بأكثر من ستة أضعاف ما بين شتاء 1999 وصيف 2005, ومع ذلك استمرت اقتصادات الدول المستهلكة بالنمو. يشير العديد من الدراسات إلى أن اقتصادات هذه الدول تستطيع أن تتأقلم مع ارتفاع أسعار النفط حتى لو ارتفعت إلى 90 دولاراً للبرميل، خاصة إذا كان الارتفاع متوقعاً، واستمرت الدول المستهلكة في زيادة الإنفاق الحكومي وحافظت على أسعار الفائدة في مستوياتها الحالية أو خفضتها. "تعاطي" النفط و"الإدمان" عليه لم "يقتل" اقتصادات الدول المستهلكة، ولم يؤد إلى "نحولها" أو "اصفرارها" ولم "ينهك" قواها. السؤال هو: ماذا لو عادت أسعار النفط إلى ما كانت عليه في شتاء 1999؟ ماذا ستكون نتيجة "تعاطينا" للنفط و"إدماننا" عليه؟ اقتصاداتنا لن "تموت"، لكنها ستعاني من كل مظاهر "الإدمان": "نحول" و"اصفرار" و"ذبول" و"جحوظ" في العينين. ستعاني اقتصاداتنا من "الاكتئاب" و"العزلة" فترفض قبول المتخرجين الجدد وسترتفع معدلات البطالة, وفي الوقت نفسه سيهجرها أصدقاؤها "المستثمرون الأجانب"، فتنخفض الاستثمارات الأجنبية. إننا أكثر "إدمانا" للنفط من غيرنا، لذلك فإننا أقل "مناعة" وأكثر عرضة "للالتهابات".
"إدماننا" أكبر بكثير مما يتوقعه البعض. استهلاك الفرد للطاقة في الخليج من أعلى المعدلات في العالم. قطاع المواصلات يعتمد بشكل كامل على النفط، وكل الكهرباء المولدة في الخليج تأتي من النفط والغاز. إنه من النادر في العالم اليوم أن تجد دولاً تعتمد على النفط والغاز بشكل كامل في توليد الكهرباء عدا دول الخليج. لذلك فإننا بحاجة إلى قائد عربي يتهمنا بـ"الإدمان" ويخلصنا منه. نحن في حاجة ماسة إلى خطط قومية تبين لنا "خارطة طريق" أو "رؤية مستقبلية" حتى عام 2030. إن هناك أموراً عديدة لا يمكن للخطط الخمسية أن تستوعبها. إننا بحاجة لرؤى طويلة المدى توضح كيف يمكن أن نتخلص من إدماننا على النفط، سواء في مجال التصدير أو الاستهلاك، كما أننا بحاجة إلى خطط مماثلة في أمور أخرى، خاصة في مجال الصحة والتعليم والبيئة.
إننا نعاني من مرض، وعلينا طلب العلاج. كل ما أرجوه هو ألا نصل إلى مرحلة "آخر العلاج الكي"!