رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاقتصاد السعودي: حماية المستثمر الصغير بين الأسهم والعقار

ابتهجنا جميعا بتأسيس مدينة الملك عبد الله الاقتصادية في مدينة رابغ وما قد يتبعها من مدن أخرى مشابهة، نظرا لما تحتاجه البلاد من مدن عصرية وترجمة هذه النهضة المالية إلى اقتصادية، كما أن اقتصاديات سوق العقار الذي سيّر الطفرة الأولى لم تصله الطفرة الجديدة التي تميزت بسوق أسهم عال جدا وبعيد عن "معقولية" النمو الاقتصادي المعتاد، بل حتى الغرض الأساسي من سوق الأسهم في تسخير رأس المال بتكلفة معقولة للاستثمار الحقيقي "العضلي والفكري" في الاقتصاد.
فقياسا بمكرر الربحية يعتبر السوق السعودي من أعلى أسواق العالم اليوم، بل لعله الأعلى على الإطلاق قياسا بحجمه. المراقب اليوم للوضع الاقتصادي يجد أن هناك فجوة بين سوقي العقار والأسهم في درجة الارتفاع والسيولة "القدرة على تحويل الاستثمار إلى نقد"، وكذلك هناك اختلاف في دقة المعلومات وشفافيتها، فسوق الأسهم على علاته أكثر شفافية من سوق العقار.
رأى البعض أن هذا الاختلاف في التقييم فرصة تأتي من خلال تحويل العقار إلى أسهم ومن ثم الاشتراك في هذه الاحتفالية، هناك معلومات تتداول في السوق وحتى الصحافة عن شركات تطوير عقارية في جميع أنحاء المملكة تهدف إلى جذب أموال المساهمين ثم تطرح للعامة. لذلك فإننا جميعا مسؤولون عن مراقبة الوضع الاقتصادي والمالي في المملكة، وكمستثمرين علينا الاستيضاح والوضوح في رسم الاختلافات بين تنمية عقارية مبنية على أسس اقتصادية واضحة المعالم، وفرصة بعض الوسطاء والعقاريين في التخلص من عقارات لم تعد الوسط الاستثماري المحبب عند الناس كما في الماضي. هنا يجب أن نذكر أن العقار كوسط استثماري مهم وحقيقة أنه سوف يبقى كذلك، فمن يعلم؟ ففي حالة حدوث تصحيح معتبر في سوق الأسهم، خاصة أن الكثير من المستثمرين في سوق الأسهم من الجدد الذين لم يعايشوا نزولا حادا في أسعار الأسهم، قد تكون هناك طفرة في العقار تتبع نزولا في الأسهم، وقد حدث ذلك في فترات ماضية. نشهد اليوم محاولة عدة شركات عقارية ترغب في التحول إلى شركات مساهمة وتعد الكثير صراحة مرات وضمنا مرات أخرى التحول إلى شركات مساهمة تطرح للمواطنين، وذلك لإثارة الشجون والأرباح الخيالية من الأسهم.
عوائد الاستثمار في العقار المؤجر لا تتعدى 10 في المائة، بل تقل في أغلب الأحيان، خاصة إذا شملنا في الحسبان فرصة عدم الاستئجار مرات وأعمال الصيانة والتلف. وذكر أحد المحللين العقاريين أنه لو قيل لك إن إيجار السكن 100 ألف ريال وهذا السكن قيمته مليون ريال، فالدخل "الحقيقي" هو 50 ألف ريال للأسباب المذكورة آنفا، حيث إن الـ 50 ألفا الأخرى تصرف في التكاليف غير المحسوبة.
هذا من ناحية الدخل، أما من ناحية التطوير والقيمة المضافة فهذا يتطلب تجربة وإدارة مهنية قادرة وأمينة لكي تدير الأموال بكفاءة وتحقق عوائد مجزية للمستثمرين. وهذا سوق يتطلب درجة مخاطرة عالية نسبيا لكي يستطيع السوق ومراقبوه الفرز بين الغث والسمين، كما أنه يتضمن عادة تمويلا وما يتبعه من تكاليف.
السؤال الملح هو: هل هيئة سوق المال أو وزارة التجارة "بعد الجهد في مراقبة المساهمات العقارية غير المنظمة" على وعي واهتمام بسوق العقار أم أنها أكثر من مشغولة بسوق المال المباشر "الأسهم"؟ هل سيأتي التقييم من ملاك العقار فقط؟ يجب علينا التفكير مليا في كل هذه الأسئلة قبل السماح ببيع هذه الأسهم إلى العامة في ظل سوق محموم.
ما هي درجة التزام كبار المؤسسين للتطوير الفعلي؟ وهل هناك تناقض بين الأدوار التي يلعبونها كملاك ومطورين وقائمين على شركات تطوير عقاري مستقلة؟ الإجابة عن هذه التساؤلات بأمانة وشفافية والتزام مكتوب لن تساعد في تأسيس شركات عقارية تخدم المستثمر فقط، بل سوف تخدم الاقتصاد عامة.
هناك مخاطر يجب على المسؤولين التنبيه لها لحماية أموال العباد، فالتقصير في المراقبة يعتبر تقصيرا في إدارة الأموال وعدم توجيهه إلى أفضل السبل اقتصاديا، فنحن أمام خيارين إما أن تقوم المؤسسات الرقابية بدور فاعل وإما أن تكون الحكومة أحد الملاك لتحمل بعض المسؤولية. ولعل أحد السبل للمراقبة أن توجد الحكومة كمساهم في عدد من هذه "المدن" الجديدة بحصة لا تزيد على 10 ـ 20 في المائة من الأسهم، الغرض من دخول الحكومة ليس الإدارة ولكن المراقبة والتأكد من أن المؤسسين لا ينافسون الشركات المقترحة من ناحية والعدالة في التثمين والشفافية في إعداد كل المعلومات من ناحية أخرى، ويستحسن بيع ملكية الحكومة بعد أن تصل هذه الشركات إلى بر الأمان. ولعل مثالا جيدا على ذلك أن تقلص الحكومة حصتها في الشركة العقارية لإعطائها درجة من الحرية الاقتصادية وجعلها مثالا لدور الحكومة البناء في تكوين الشركات الجديدة والاطمئنان على وضعها في هذا المجال الحيوي.
اتخذت المملكة سياسة اقتصاد السوق كنهج واضح وجيد، ولكن هي في حكم التقدير المنصف في قراءة عادلة للتقييم المالي الرصين بين إعطاء الفرصة لأي مؤسس أن يطرح أي شركة للعامة، وأن تكون هناك مسببات موضوعية لاستخدام أسواق المال في جذب الاستثمارات وإعطاء العامة من المواطنين حق المشاركة فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي