أين خريجو جامعاتنا؟

تعاني جميع دول العالم، بلا استثناء، من التكلفة المتزايدة بشكل مستمر لمؤسسات التعليم العالي، وما يقابلها من موارد مالية محدودة تجعل إدارة هذه المؤسسات أمراً صعباً. وفي الدول النامية بالذات ومنها الدول العربية، أصبح العجز المزمن في الإمكانات المالية المتاحة للصرف على الجامعات يشكّل مأزقاً لتلك المجتمعات. إذ إن افتقار الجامعات، بسبب قلة الموارد المالية، لعناصر وأدوات أساس لا بد من توافرها لأداء رسالتها يجهض دورها في بناء الأجيال، وهذا الإجهاض له تداعيات منها ما هو ظاهر للعيان، والآخر وهو الأكثر خطورة تصعب رؤيته مباشرة إلا أن بصماته لا تخطئها العين في كل مشروع حضاري فاشل هنا وهناك.
اليوم أصبح من أهم المشاغل، إن لم يكن أهمها، لرؤساء الجامعات في العالم البحث عن مصادر تمويل خارج إطار المصادر التقليدية كتلك التي ترصدها الحكومة في ميزانيتها أو ما تدره الرسوم الدراسية. إذ إن الرسوم مهما تعاظمت تظل قاصرة عن تغطية المبالغ التي تُصرف على هذه المؤسسات. ففي الجامعات الخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي تتقاضى رسوماً دراسية عالية نسبياً، لا يغطي هذا المصدر من الدخل أكثر من 25 % مما ينفق على الطالب الواحد، بالرغم من أن الرسوم الدراسية قد تصل في بعض هذه الجامعات إلى (50) ألف دولار سنوياً. كما أن ما تحصل عليه هذه الجامعات من الحكومة وبعض الشركات لدعم البحث العلمي، بالرغم من سخائه، لا يكفي لسد العجز في ميزانيتها. لنأخذ على سبيل المثال جامعة (إم. آي. تي MIT) التي تبلغ ميزانيتها السنوية نحو مليارين من الدولارات يُنفق أكثر من نصفها على مختبرات البحث العلمي. هذه الجامعة الخاصة، وهي كغيرها من الجامعات الأمريكية الأخرى مؤسسة لا تسعى للربح Non-profit Organization، تضم في رحابها حوالي عشرة آلاف طالب معظمهم يحصل على مساعدة مادية من الجامعة بشكل أو بآخر، بينما لا تمثل حصيلة ما تغطيه الرسوم الدراسية سوى 10 % فقط من إجمالي المصروفات.
لذا كان لزاماً على تلك الجامعات التوجه إلى خريجيها في المقام الأول ثم إلى الشركات الكبرى والمؤسسات الخيرية لوقف مبالغ يُستخدم ريعها للإنفاق على برامج ودراسات وتقديم منح دراسية للطلاب والباحثين، بصرف النظر عن أعراقهم أو مشاربهم. وتتفاوت قيمة هذه الأوقاف أو التبرعات من إهداء كتاب لمكتبة الجامعة إلى بناء مجمع متكامل في فرع من فروع المعرفة كالطب والعلوم والهندسة بمئات الملايين من الدولارات. وأصبح دخل الأوقاف في بعض الجامعات مصدراً رئيساً لمواردها المالية، ومن أشهر الأمثلة على ذلك جامعة هارفارد التي تبلغ قيمة محفظتها الوقفية حوالي (25) مليار دولار تحقق منها ريعاً سنوياً يصل إلى 30 % تقريباً ما يضعها في المرتبة الأولى بين الجامعات في العالم في هذا المضمار. وبالطبع لا يقتصر نادي الجامعات الغنية على هارفارد وحدها، بل هناك كوكبة من الجامعات الأخرى تزيد ثروة كل منها على (10) مليارات دولار.
وفي دراسة نُشرت أخيراً في الولايات المتحدة الأمريكية، هناك (55) جامعة أمريكية تجاوزت قيمة أوقاف كل منها في العام الماضي حاجز المليار دولار. واستعرضت الدراسة معدلات العوائد على استثمارات أوقاف (746) مؤسسة للتعليم العالي في أمريكا الشمالية، حجم تلك الاستثمارات، والقطاعات المستثمرة فيها. واللافت في نتائج الدراسة أن العائد على كل دولار استثمرته الجامعات الثرية يبلغ حوالي ضعف ما حققه كل دولار استثمرته الجامعات الفقيرة نسبياً. بمعنى أن الأثرياء يزدادون ثراء بطرق أسهل وأسرع من أولئك الذين هم أقل حظاً. وقد عزت الدراسة ذلك التباين لأسباب، من بينها أن الجامعات الثرية لديها الإمكانات للاستعانة بأفضل بيوت الاستشارات المالية، كما أن حجم استثماراتها يفتح أمامها فرصاً للمشاركة في صناديق وعقارات تتطلب مبالغ كبيرة كحد أدنى للمساهمة فيها، هذا علاوة على أن قاعدة الأوقاف في تلك الجامعات واسعة وصلبة تسمح لها بطرق مجالات ذات عوائد عالية مصحوبة بدرجة عالية أيضاً من المخاطر. ويمكن لمن يرغب معرفة المزيد من تفاصيل هذه الدراسة زيارة الموقع الإلكتروني للجهة التي أعدتها:
The National Association of College and University Business Officers
وهنا قد يتوقف القارئ بعد هذا الكم من المعلومات والأرقام ليتساءل: أين خريجو جامعاتنا من دعمها؟ لقد دفعت الجامعات السعودية إلى سوق العمل خلال الأربعين عاماً الماضية عشرات الألوف من الخريجين الذين أسسوا الكثير من المشاريع والكيانات التجارية الناجحة، كما تبوأ العديد منهم مناصب قيادية في الدولة والشركات الكبرى ما يجعلهم قادرين على العطاء بسخاء لجامعاتهم. وإذا استثنينا بعض المساهمات المحدودة من حيث العدد والقيمة، هناك غياب شبه كامل لدور الخريجين في دعم الجامعات السعودية، بالرغم من كمية الثروات الهائلة التي في أيدي بعض هؤلاء الخريجين وبالذات رجال الأعمال منهم. إن هذا الجانب من دور الفرد نحو مجتمعه ينبغي النهوض به كي يستشعر الخريجون أهمية العطاء لجامعاتهم، وذلك لن يتأتى إلا من خلال عمل مؤسسي تبادر إليه الجامعات عبر خبرات متخصصة تنقل إليها أدوات وآليات التجارب الناجحة في هذا السياق.
إن المؤشرات لنجاح هذه المبادرة مشجعة، وأحسب أن الدعوة للعطاء ستجد قبولاً بين خريجي جامعاتنا، فالمجتمع السعودي بفطرته يسارع إلى عمل الخير، وقد حفل التاريخ الإسلامي بنماذج مضيئة للأوقاف كصدقات جارية للتقرب بها إلى الله تعالى ولاسيما في مجالات العلم ونشر المعرفة.
وفي عصرنا الحاضر، أصبحت مؤسسات التعليم العالي أحد المحاور الرئيسة للمنافسة بين الحضارات، وتحظى بدعم كبير من المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني، وفي مقدمتها خريجو تلك الجامعات. ومجتمعنا ولله الحمد حافل بالقادرين على العطاء من الخريجين، فلتبادر جامعاتنا إلى الدعوة إلى ذلك حتى نقدم نموذجاً جديداً للوقف الإسلامي الذي كان لأسلافنا قصب السبق فيه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي