الاقتصادي السعودي: عملية صُنع القرار
يتسم الاقتصاد السعودي بالدور البارز للحكومة والذي سيبقى مهما على المدى المنظور حيث إن اعتماد الحكومة على دخل النفط هو الأساس, وسيطرة الحكومة على الأساس تحتم الدور الرئيسي للحكومة في إدارة الاقتصاد من خلال آلية الميزانية. إذاً الإنتاج النفطي والتوزيع المالي يقعان في أيدي الحكومة، لذلك فإن عملية صُنع القرار الاقتصادي الحكومي جزء كبير من هذه العملية, نظراً لما لهذا من أهمية يستحسن إعادة التفكير فيها من فترة لأخرى وتغيير الهياكل الإدارية لمزيد من التركيز لفهم نقاط الضعف والقوة والتعامل مع المرحلة ونقاط التحول.
تأتي أهمية الهياكل الإدارية في خدمة صانع القرار ومدى وصول المعلومة له وتحليلها ومن ثم القرار والتنفيذ ومن ثم متابعة ومراجعة آثار القرارات، كذلك يرسل الهيكل الإداري رسالة واضحة إلى جميع المشاركين والمنفذين، فكلما زاد الوضوح والشفافية والمساءلة صارت عملية صُنع القرار ونتائجه سريعة وفعالة لخدمة الأداء الاقتصادي.
مراقبة التغييرات الاقتصادية قصيرة وطويلة الأجل وقياساتها والوعي بالمؤثرات والتعامل مع كل من له علاقة من تعليم وإعلام وتربية وعالم خارجي تتطلب رصدا ووعيا وتحليلا ومناقشة مستفيضة وصريحة ومن ثم حسما حتى لا تكون المناقشة أكاديمية ورياضة ذهنية دون فائدة عملية.
لعل أهم صفة في أي هيكل إداري هي فصل الجهاز التخطيطي عن الأجهزة التنفيذية من ناحية ومن ناحية أخرى بقاء الخيار الاستراتيجي لدى السلطات دون الدخول في تفاصيل عمل أي من الأجهزة آنفة الذكر لكي يصون صاحب القرار درجة أعلى من المبادرة والمراقبة والاستقلال. القرار الاستراتيجي يجب ألا يكون جزءا من هذه الأجهزة لكي يحافظ على آلية للثواب والعقاب مع هذه الأجهزة وألا يتأثر بالجزئيات والأشخاص على حساب المهمة الأهم ـ التنمية الاقتصادية. جاء تأسيس المجلس الاقتصادي الأعلى لترتيب هذه الأولويات المهمة ولكن المرحلة تغيرت.
المراقب اليوم للمجلس الاقتصادي الأعلى يجد أن كل هذه الأجهزة في كيان إداري واحد وهذا يخلط الأدوار ويعقد عملية صُنع القرار ويضعف المرجعية في حالة الحاجة إلى تغيير في القرارات ومسألة المقصرين. عملياً، هذا المجلس كبير العدد مما يصعب النقاش المطول حول تفاصيل مهمة, فكما يقال إن العلة في التفاصيل, خاصة اقتصادياً.
لا يمكن أن يكون الجميع على درجة عالية من الأداء، ونأمل ألا تكون أسعار النفط العالية نسبياً والحالة الاحتفالية لسوق الأسهم سببا في تعتيم الرؤية لأخذ القرارات في حالة الرخاء حتى لا نضطر إلى قرارات صعبة في وقت أصعب. لدى السلطات العليا مشاغل أخرى على الدرجة نفسها من الأهمية ولذلك وجب إعطاء هذه السلطات المسافة الكافية لإدارة دفة البلاد.
كما أن الملاحظة الأخرى الجديرة بالذكر في نظر كاتب هذه السطور هي الدور المحدود لوزارة الاقتصاد والتخطيط، فدور هذه الوزارة المهمة ضاع بين المجلس الاقتصادي الأعلى من ناحية والدور القوي لوزارة المالية من ناحية أخرى. وهنا نكون قد قدمنا العربة على الحصان فدور وزارة المالية "التمويلي" سيطر على آلية صُنع القرار الاقتصادي.
يا ترى ما الحل؟
لنبدأ من أعلى نقطة في الهرم، فيحبذ وجود فريق استشاري "صغير" لا يتعدى 4 - 5 اقتصاديين يرأسه اقتصادي معتبر وذو قدرة على التواصل مع القيادة دون أي ظهور إعلامي، وهذا الجهاز الاستشاري يكون مرتبطا بالقيادة مباشرة فقط. الاتصال الوحيد مع الجهات الأخرى في جمع المعلومات فقط، ويقوم هذا الهيكل الاستشاري بمساعدة القيادة في رسم ومراقبة سياسة اقتصادية يكون مصدرها القيادة.
يأتي على المستوى نفسه من الأهمية مجلس اقتصادي استراتيجي للتخطيط ويكون هيئة مستقلة.
هذا الهيكل يكون مستقلاً من الوزارة ذات العلاقة الاقتصادية المنوط بها دور تنفيذي فقط. هذه الهيئة تكون مسؤولة عن رسم الخطط العامة مثل حجم الدين والعجز أو التركيز على صناعات معينة كالاستثمار في البتروكيماويات الأساسية ثم التسلسل في الصناعات التي تليها، أو الصناعات الجينية أو غيرها من صناعات المستقبل.. أو سياسة الطاقة والمياه من منظار اقتصادي وتحديد سياسات معينة قابلة للتنفيذ, أحد أدوارها هو التقييم والدفع على تنفيذ سياسات معينة كالتخصيص أو الدعم الحكومي زيادةً أو نقصانا وحتى لا تكون هذه الهيئة دون أسنان يجب أن تكون واعية للوضع التمويلي وآليته وترفع توصياتها إلى مجلس القيادة الاقتصادي الاستشاري.
لكي تكتمل هذه الهيكلة يجب أن يقتصر دور وزارة المالية على التمويل سياسةً وتنفيذاً. لإكمال هذه الدوائر المتداخلة لاقتصاد يحتاج مزيدا من التقنين والقياس ويتطلب مسافات أوضح بين هذه الأجهزة لمزيد من الشفافية والوضوح، يجب إعادة تأهيل الأجهزة الرقابية ودمجها في جهاز رقابي واحد يكون العمق المعلوماتي التحليلي هو سلاحه لمراقبة الإسراف والفساد والإهمال والتجاوزات, ليس من منظار محاسبي فقط, بل القدرة على تقييم الأداء الاقتصادي.
الحلقة الأخرى ذات الأهمية هي اللجنة الاقتصادية في مجلس الشورى والتي لها أدوار محددة بنظام المجلس لمراقبة الأداء والاستماع والمناقشة مع الجهات ذات العلاقة, وكذلك تقديم الاقتراحات والنصائح.
أخيراً ولتقريب المسافات بين هذه الأجهزة وتعارف المشاركين وسماع الرأي الآخر يحبذ أن تنشط أقسام الاقتصاد في الجامعات والغرف التجارية في عقد الندوات التي يحضرها صُناع القرار في كل هذه الهياكل لمعرفة ما يدور علمياً وعملياً, وأن تتلاقح الأفكار والتعرف على المواهب الجديدة. فتكون إحدى مسؤوليات القائمين حضور هذه الندوات والمحاضرات، التهرب من مقابلة الآخرين بعد الفوز بمنصب حكومي وعدم قبول المناقشة الجادة لا يخدم البلاد والتنمية الاقتصادية.