رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التجربة الماليزية

لعله من حسن الطالع أن استهل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز برنامج عمله للعام الجديد بزيارات ناجحة لكل من الصين، الهند، ماليزيا، وباكستان. إذ إن المنافع التجارية التي ستنبثق عن هذه الزيارات تأتي في توقيت جيد للاقتصاد السعودي الذي يبحث عن أسواق لصادراته غير النفطية بالإضافة إلى منافذ وأوعية آمنة لامتصاص جزء من السيولة المالية في بناء طاقات إنتاجية في الصناعة والخدمات. كما أن هذه الزيارات تحقق للمملكة مكاسب استراتيجية كان لا بد من السعي إليها لتعزيز شراكاتها مع أصدقائها التقليديين منهم والجدد. فالتوازن صفة مستحبة في حركة الشعوب ورؤيتها تماماً كما هي للأفراد، ومن سنن الحياة أن إيقاع تلك الحركة لا يسكن على حال بل يتغير بين حين وحين.

اتسمت الزيارات الملكية للدول الأربع بطابعين، أولهما الحفاوة البالغة ثم الإعداد الجيد الذي أسفر عن توقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية في مجالات الصناعة والتبادل التجاري، منع الازدواج الضريبي، والتعاون العلمي والثقافي. بالطبع هناك تباين في الفرص التي ستهيئها هذه الاتفاقيات للطرفين من بلد إلى آخر من البلدان الأربع لأسباب ترتبط بحجم السوق ونضجه من جانب، ومساحة الأرضية المشتركة في الثقافة والقيم بين المملكة وكل من تلك البلدان من جانب آخر. فعلى سبيل المثال لا يمكن مقارنة الفرص التجارية التي يشكلها حجم سوق دولة صغيرة كماليزيا لا يزيد عدد سكانها على 25 مليون نسمة بتلك التي يمكن اغتنامها في سوق الصين التي يزيد عدد سكانها على 1300 مليون نسمة.
لكن من منظور آخر. هناك عوامل مشتركة وأوجه شبه كبيرة بين المملكة وماليزيا تجعل تجربتها، مقارنة بالآخرين ، في إدارة مواردها وإصلاح مؤسساتها الاقتصادية والتعليمية نموذجاً أكثر واقعية للمحاكاة في المملكة والإفادة من إنجازاته وإخفاقاته . فماليزيا دولة مسلمة عدد سكانها مكافئ لسكان المملكة، كما أنها إلى عهد قريب تعتمد إلى حد كبير على تصدير الزيوت النباتية الخام كمصدر أساس للدخل.
منذ عام 1971م بدأت ماليزيا تحولاً تدريجياً نحو تنويع مصادر دخلها للخروج من مأزق الاعتماد على مصدر وحيد للدخل وما يشكله ذلك من تهديد لأمنها ومستقبلها. وارتكزت خطة عملها على تنمية قطاع الصناعة لاسيما المنتجات ذات التقنية والقيمة العالية من بضائع إلكترونية وما شابه. وتبلغ صادرات ماليزيا في الوقت الراهن نحو 150 مليار دولار سنوياً أو ما يعادل سبعة أضعاف قيمة صادرات المملكة غير النفطية. وبالإضافة إلى نجاحها في تنويع مصادر دخلها ، تتمتع ماليزيا بمؤشرات اقتصادية جيدة من حيث دخل الفرد الذي يصل إلى عشرة آلاف دولار سنوياً، والدين العام الذي يقل عن 50 في المائة من الناتج القومي.
كنت قد شاركت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في مؤتمر اقتصادي في العاصمة الصينية "بكين" رعته مجلة Business Week، وكان مقعدي في حفل عشاء افتتاح المؤتمر بجوار ضيف الشرف رئيس وزراء ماليزيا السابق الدكتور محاضير بن محمد الذي يُعزى الفضل إليه بعد الله تعالى في تصميم وإدارة الخطط التي نهضت بماليزيا خلال الـ 30 عاماً الماضية . تحدثنا عن تلك الحقبة من تاريخ ماليزيا، واستشرفت من حديثه الدور المهم الذي لعبته الإصلاحات في قطاع التعليم، إذ تنبهت ماليزيا في وقت مبكر حينئذ إلى أن العلم يشكل العنصر الأهم في أي نشاط اقتصادي، أي أنه أكثر أهمية من المواد الخام بل ومن المال أيضاً. فالعلم والتعليم محركان أساسيان للنمو الاقتصادي لما يحققانه من زيادة في إنتاجية العامل وإبداع في وسائل الإنتاج. وكان من بين الإصلاحات التي أدخلتها ماليزيا في مؤسسات التعليم العالي أن أبرمت اتفاقيات للتعاون مع مراكز علمية بارزة في العالم لتطوير المناهج ونقل التقنية، ومن تلك المراكز جامعة (إم. آي. تي) MIT .
ترددت في سؤال الدكتور محاضير عن السر في نجاح التجربة الماليزية بينما أخفق آخرون أُتيحت لهم الفرصة نفسها التي كانت متاحة لماليزيا والأدوات نفسها التي استعانت بها . لقد ترددت في السؤال لأن التاريخ حافل بإنجازات في مسيرة الأمم لا تفسير لها سوى أن الله تعالى قيض رجالاً من طراز فريد في الزمان والمكان المناسبين لأداء عمل تذكره لهم الأجيال من بعدهم وأحسب أن تجربة ماليزيا واحدة من تلك الإنجازات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي