رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أفلام رعاة الإبل

قدمت هوليوود وغيرها من مؤسسات السينما والتلفزة الأمريكية الكثير من الأفلام المأخوذة من قصص وتراث رعاة البقر "الكاوبوي". بعضها كان تحفة فنية في غاية الروعة والإدهاش. تتميز حواراتها بتلك الحساسية المفرطة في انتقاء الكلمات المكثفة الدلالة والجاذبية التي تجعلك، مفتونا بحمى الحوار، موزعا مرة بالانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك.
في أفلام رعاة البقر مواقف فروسية وبسالة ووفاء وعشق وذود عن الحمى والعشيرة والقيم والأعراف والمثل, وفيها أيضا مواقف تكشف ما تنطوي عليه النفوس البشرية من شموخ أو خسة أو تمزقها بين بين، يديرها المخرج ببراعة ويحركها في فضاء منعتق من ضغوط المحاذير التاريخية أو السياسية أو الاجتماعية. وجهة نظر خالصة تعبر عن مخرجها، تحسب له أو عليه دون تثريب.
نحن في الجزيرة العربية لدينا من حرات الحجاز وجبالها إلى سهول الجنوب وصحارى وروضات نجد والشمال تراث رعوي مذهل عن شخصيات فذة من الأعراب رعاة الإبل والغنم, قصص تشيب لها الولدان أو تعيد الشيوخ إلى صباهم. فيهم من قاد النخوة من قرنيها دفاعا عن الشرف والحق والعدل. ومن صارع الظروف وقاوم الانكسار، ومن كان يلتهمه سعير الندم لغدر أو خيانة, وهناك طالب الثأر الذي كانت تتلفت الكثبان هيبة من شرر يتطاير من عينيه كصياد مسعور يطارد ظله. أو العاشق الذي تتنهد الرمال لغنائه وترقص الخيل والإبل لحدائه.. رجال ونساء وفتيان سارت بذكرهم الركبان، كابدوا أقدارهم وقابلوها على نحو عجيب في بيئة شحيحة غامضة تتربص بها الفاقة والخوف والجهل والمرض.
هذا التراث الزاخر بالفروسية والشهامة والوجد والوفاء وما يقف له شعر الرأس من المواقف والأحداث مليء بالدراما الفريدة بكل تجلياتها ومع ذلك بقي منبوذا في أفواه الرواة وفي بطون الكتب، ولم تستطع تلك المسلسلات البدوية الساذجة وأضرابها أن تبلغ أخمص قدم في صناعة فيلم على النحو المطلوب وبقي الحال على ما هو عليه إلى يومنا هذا.
فلماذا لم تتجه عقول مخرجينا وكتاب السيناريو والمنتجين إلى النهل من هذا المورد الثر؟ هل لأنهم يعتبرونه مما لا يستحق العناء؟ وأن تلك المثل والسلوكيات وسلوم القبائل وأعراف الصحراء وغيرها بضاعة جاهلية؟ أم هم فعلا في قطيعة معرفية بالأساس مع هذا التراث؟ لكن .. في حالة وجود الرغبة لإنتاج أفلام من كنوز تراثنا الرعوي، هل ينجو الكتاب والمخرجون والمنتجون ومن يتصدون لمثل هذه الأعمال من سوط الحساسيات القبلية والاجتماعية ومن رماح الأعراف والتقاليد؟ هذا سؤال ضخم ثقيل، وإن كان يسبق الفعل، إنما يبقى أن أحدا "ما" لم يحاول استحضار مشاهد الأمس المترعة بمآثر الشهامة والنخوة والمروءة والشجاعة والإخلاص والصدق ونقائضها للرجال وللنساء على حد سواء، رموزنا البواسل أو غير البواسل، لا سينمائيا ولا تلفازيا، ليس طبعا على غرار ومستوى ما فعلت هوليوود مع رعاة البقر, فقد يكون ذاك من باب التعجيز، وإنما ولو على نحو مقارب.
وإلى أن يحدث هذا، ليس علينا سوى أن ننتظر، لكن الخشية أن تبعد الشقة بيننا وبين هذا التراث فيندثر، لنضيف إلى مآثرنا في الخسارات واحدة لا تعوض!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي