الرأي العام.. مطلب لصنع السياسات العامة
القرارات الحكومية هي في الأساس مشاريع وسياسات لتحقيق وإشباع الحاجات العامة. وتواجه الإدارة العامة (الأجهزة الحكومية المسؤولة عن تحويل هذه السياسات والقرارات إلى مشاريع وإجراءات تنظيمية تلبي متطلبات المجتمع)، تحديا كبيرا يتمثل في إيجاد توازن بين قيمتين متضادتين هما: الكفاءة الاقتصادية والاستجابة للمتطلبات الاجتماعية. فالإدارة العامة مطالبة بتحقيق الكفاءة الاقتصادية في توفير وتوزيع الخدمات والسلع العامة، وفي ذات الوقت الاستجابة لمتطلبات ورغبات وقيم اجتماعية قد لا تكون في جميع الأحوال متوافقة مع معيار الكفاءة الاقتصادية. يكون ذلك واضحا عندما تُطَالَب الأجهزة الحكومية بالإفصاح عن الأخطاء والمشاكل التي تواجهها أو بتوفير المعلومات عن القرارات والإجراءات والخطط المستقبلية وجعل كل ذلك في متناول العموم وبشفافية وموضوعية تامة، إلا أن ذلك قد يتعارض مع معيار الكفاءة والحفاظ على سرية العمل المطلوبة في بعض الأحيان. وهنا يقع الجدل حول مدى السرية، ومن يحددها،. ففي ظل غياب المساءلة الاجتماعية والسياسية تتفرد أجهزة الإدارة العامة بالسلطة وبالتالي قد يتم التغاضي عن بعض الممارسات الخاطئة وعدم الإفصاح عنها، خاصة تلك التي يكون فيها تعد على حقوق الأفراد والحرية الشخصية بحجة تنفيذ القوانين وتطبيق الإجراءات العامة كيفما اتفق في سبيل تحقيق المصلحة العامة التي يتم في الغالب تعريفها من قبل منفذي القانون. وهنا يكون المراجع والمستفيد من الخدمة مغلوب على أمره دائما وأبدا تحت سلطة الإدارات العامة يستجدي تلك الخدمات بدلا من أن يُسعى إليه سعيا طلبا لرضاه! إنه وضع غريب عجيب فالإدارات التي وضعت في الأساس من أجل توفير الخدمات والسلع العامة للناس وسمي قطاعها الخدمة العامة، أي أن جميع العاملين في خدمة المواطن نجد العكس تماما! هذا الوضع أوجد ثقافة في الإدارة العامة مبنية على أن المواطن منزوع الحقوق داخل أروقة الأجهزة الحكومية وعليه أن يتحمل ويقبل بمستوى الخدمة أيا كان وعلى أي مستوى وكأنها ليست من حقه وإنما تفضلا من ذلك الجهاز الحكومي ومن يمثله من موظفين في جميع المستويات الإدارية! والحال كذلك قد يكون من المستهجن الحديث عن استشفاف الرأي العام والتعرف عليه لأنه ببساطة وبكل وضوح ليس مهما! وهنا نطرح سؤالا في غاية الأهمية: هل نستطيع كمجتمع المضي قُدُماً والتحديات والمستجدات تحاصرنا من كل حدب وصوب دون تطوير مفهوم جديد لدور الإدارة العامة في المجتمع لتكون قادرة ليس فقط على تقديم الخدمات والسلع العامة بكفاءة ولكن إحداث التغيير الاجتماعي المطلوب؟ هذا بطبيعة الحال يستدعي ثقافة جديدة تقوم على قياس أداء الأجهزة الحكومية ومحاسبتها بناء على النتائج والتعرف على مدى تحقيق الأهداف من منظور عموم الناس وليس الجهاز نفسه! فلم تعد تجدي تلك التقارير الشكلية الروتينية المحشوة بإحصاءات تقول نصف الحقيقة وتخفي ما الله به أعلم. وكأنما غايتها تنميق الأداء حتى ولو كان الجميع يعلم عكس ذلك! كالنعامة (إن صح ذلك عن النعامة) تدس رأسها في حفرة من الأرض ظنا أنها تتوارى وتختفي عن الأنظار وأن في ذلك نجاتها!
وإذا كانت عملية اتخاذ القرار العام تعتمد في الأساس على حقائق وقيم (رغبات واحتياجات وأولويات). فالسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: قيم من؟ هل هي رغبات وتوجهات عموم الناس أم ما يريد البيروقراطيون القيام به؟ للإجابة عن هذا التساؤل لا بد أولا من تفهم طبيعة التنظيم البيروقراطي والدور الذي تلعبه البيروقراطية في المجتمع.
التنظيم البيروقراطي تنظيم اجتماعي نتاج للثقافة الغربية التي سعت من خلاله إلى رفع الإنتاجية وتحقيق الكفاءة الاقتصادية بالانتقال من إدارة الشؤون العامة اعتمادا على السلطة التقليدية إلى السلطة القانونية الموضوعية غير الشخصية. تطبيق النموذج البيروقراطي في مجتمعنا أدى إلى تداخل بين التقاليد الاجتماعية مع تلك السمات والقيم البيروقراطية إلى أن غدت السلوكيات داخل المكاتب الحكومية تعكس هجينا بين القيم والعلاقات الاجتماعية السائدة والإجراءات القانونية البيروقراطية. فالقوانين أصبحت تفهم بشكل تجريدي بعيدا عن معانيها ومضمونها الأساس وهو خدمة المواطنين بالتساوي دون تمييز ومحاباة وتحقيق الكفاءة والفاعلية. هذا الفهم الخاطئ للقوانين أدى في كثير من الأحيان إلى طغيان العلاقات الشخصية على الإجراءات الإدارية في الإدارة العامة وتطبيق الأنظمة بانتقائية حسب العلاقة الشخصية. فاعتمادا على العلاقة بالمسؤول أو الموظف تمنح الخدمة أو تحجب!. ولأن البيروقراطيين ينعمون بمساحة كبيرة من الحرية والاستقلالية لفعل ما يشاءون دون محاسبة ومساءلة فإن ذلك يجعلهم يتمادون في التصرفات الشخصية من خلال وظائفهم ومراكزهم الرسمية. وهذا يفسر حالات فشل الإدارة العامة وموظفيها في تحقيق الأهداف والمبادئ المنشودة ليس فقط من ناحية قانونية ولكن أيضا لعدم واقعية وفاعلية القرارات. كما أن المركزية الشديدة داخل الإدارات العامة تزيد من سيطرة النخبة في المجتمع وحصولهم على المنافع ، خاصة في ظل غياب المحاسبة والمساءلة ما يجعل الإدارات العامة ضعيفة الاستجابة لمطالب ورغبات ورفاهية السكان.
مما سبق يتضح أن الأجهزة الإدارية التي تعمل من خلال التنظيم البيروقراطي الحالي غير قادرة على تلبية احتياجات ورغبات السكان المحليين نوعاً، وكماً، وسرعة استجابة بالقدر المطلوب. وعلى الرغم من وجود الإرادة السياسية في إحداث التغييرات والإصلاح الإداري إلا أن هذه الإصلاحات تعنى بالتطوير الإداري ولا تناقش النظام الإداري وإشكالياته وإيجاد آليات للمحاسبة والمساءلة والمتابعة من جهات شعبية مستقلة، وصنع ثقافة إدارية في المنظمات العامة تؤدي إلى زيادة الكفاءة الاقتصادية والفاعلية وأهم من ذلك الاستجابة لمتطلبات السكان.
نجاح السياسات الإصلاحية للتنظيمات الإدارية مرهون بإيجاد أوضاع تنظيمية يستطيع السكان من خلالها إبداء آرائهم بشكل مباشر حول القضايا المحلية وتحمل مسؤوليات أكبر تجاه مشاكلهم وطرق حلها. إلا أن القراءة الواقعية للوضع الإداري لا تنبئ عن حدوث تغييرات على هذا المستوى وإن حدثت فهي شكلية في معظم الأحيان.
لذا فإن التحدي الذي نواجهه في الوقت الحاضر هو الانتقال من النموذج البيروقراطي (المركزية، هرمية السلطة، والعمل في اقتصاد محدد مكانياً) إلى نموذج أكثر مرونة يتكيف مع الواقع، والعالمية، واقتصاد رقمي مبني على المعلومات، والتغيرات الاجتماعية.
إن البيروقراطيين يعتمدون على احتكار المعلومات للمحافظة على مركز التحكم ومن ثم على قوة التأثير على السياسات العامة. لذا فإن الخطوة الأولى والمهمة في إحداث نقلة نوعية في العمل الإداري الحكومي هي كسر هذا الاحتكار للمعلومات وخاصة تلك التي تتعلق بالأداء للمشاريع العامة وتوزيع الخدمات والمنافع.
أن توافر المعلومات وسهولة الحصول عليها يطور قدرة جميع الأطراف بما في ذلك عموم الناس للمشاركة في عملية القرار الحكومي. ما يساعد على إتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة في عملية اتخاذ القرار أو على أقل تقدير رفع مستوى الوعي الجماعي والإحساس بالأهمية. ومن ناحية أخرى، يجعل عمل البيروقراطيين أكثر وضوحا. وقد يكون بالإمكان الاستطراد في هذا السياق لنقول إن توضيح الرأي العام يؤدي إلى تقوية موقف عموم السكان وجعل المنظمات العامة أكثر شفافية واستجابة لمتطلباتهم.
إن الاهتمام بالرأي العام حالة ثقافية تستدعي تنظيمات وإجراءات تدفع نحو استقلالية وحيادية وموضوعية تامة في توفير المعلومات واستشفاف توجهات العموم حول مختلف القضايا في الوقت الراهن والأهداف المستقبلية التي ينبغي تحقيقها. من هنا قد يكون من المناسب بل من الضروري إنشاء مؤسسة مدنية مستقلة لرصد الرأي العام المحلي حتى نكون دائما على بينة من الأمر ولا نفاجأ بتغيرات تراكمية لا نعلمها إلا حين وقوعها وعندها نكون متأخرين في معالجتها. الرأي العام قياس لتوجهات وتطلعات العموم وليس علاقات عامة تخصص لها إدارات متهالكة داخل الإدارات العامة مهمتها تلميع وتحسين صورة الجهاز التي تستدعي في بعض الأحيان قلب الحقائق أو طمأنة الناس بمشاريع مستقبلية دون جدول زمني محدد لتنفيذها. وخلاصة القول بدون تقييم أداء الأجهزة الحكومية اعتمادا على مدى ملاءمة سياساتها ومشاريعها لتطلعات المواطنين وتوجهاتهم وآلية لمساءلة ومحاسبة المقصرين، لن نفلح في تطوير الأداء الحكومي وجعله قادرا على الاستجابة للظروف الحالية والتطلعات المستقبلية.