رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الهند وتحديات الطاقة والدور السعودي (2 من 3) الفرص

تبين في الحلقة الماضية أن الهند تواجه تحديات عديدة في مجال الطاقة، الأمر الذي يفسر سبب قلق المسؤولين الهنود بشأن إمدادات الطاقة، كما يفسر سبب اهتمامهم الشديد بالمملكة. باختصار، إمدادات الهند من مصادر الطاقة محدودة، ولا يمكنها مقابلة النمو المتزايد على الطاقة في الهند. المشكلة لا يمكن أن تحل بسهولة بسبب التحديات الاقتصادية والسياسية والقانونية والتقنية والفنية والطبيعية التي ستجعل من الصعب تبني حتى الحلول التي تبدو سهلة. هذه الحقيقة ستجعل اعتماد الهند على الطاقة المستوردة يزداد يوماً بعد يوم.
رغم هذه الصعوبات والتحديات، إلا أن هناك فرصاً ضخمة في قطاع الطاقة للمستثمرين الهنود والأجانب، وفرصا ضخمة لدول الخليج، ليس بسبب نمو واردات الهند من النفط فقط، بل بسبب الفرص الاستثمارية المتعددة لهذه الدول التي ستصبح متاحة خلال السنوات المقبلة في مجالات التكرير والتوزيع. فيما يلي الإطار العام الذي يحكم هذه الفرص:
1 ـ سوق ضخمة: هناك عوامل مهمة لدراسة أي سوق أهمها عدد السكان، ومستوى الدخل، وتنوع السكان. هذه الأمور كلها متوافرة في الهند.
ـ عدد السكان الضخم يساعد على بناء مشاريع طاقة ضخمة ذات تكاليف منخفضة نسبياً.
ـ معدلات نمو اقتصادي عالية، الأمر الذي يعكس زيادة مطردة في متوسط دخل الفرد، وبالتالي زيادة في الطلب على الطاقة.
ـ تنوع السكان عرقيا وثقافياً ودينياً يخلق فرصا عديدة ومتنوعة للمستثمرين في مجال الطاقة.
2 ـ سوق نامية: هناك ثلاث حقائق لا يمكن التغاضي عنها. الأولى أن نحو نصف عدد سكان الهند تحت سن 20 سنة، الأمر الذي يضمن نمو الطلب على الطاقة وينعكس إيجابياً على الاستثمار في هذه المشاريع. الثانية أن استهلاك الفرد الهندي الطاقة من ضمن أقل المستويات في العالم. والثالثة أن تجربة البلاد الناشئة تشير إلى زيادة مطردة في استهلاك الطاقة مع زيادة الدخل, لذلك يتوقع أن يستمر الطلب على الطاقة في الهند في النمو, تعزز هذه النتيجة الحقائق التالية:
ـ معدل استهلاك الطاقة للفرد الهندي نحو 13.3 مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بثلاثة أضعاف هذا الرقم في الصين، وأربعة أضعافه في سورية. استهلاك الفرد السعودي من الطاقة أعلى من استهلاك الفرد الهندي بأكثر من 15 ضعفاً، واستهلاك الفرد الأمريكي من الطاقة يبلغ 25 ضعف استهلاك الفرد الهندي. ترتيب الهند عالميا من ناحية استهلاك الفرد الطاقة يبلغ 108. أي أن هناك 107 دول في العالم يبلغ فيها استهلاك الفرد الطاقة مستويات أعلى من تلك التي في الهند. لذلك فإنه يتوقع زيادة استهلاك الطاقة في الهند مع استمرار نمو الدخل فيها.
ـ هناك سبع سيارات لكل ألف نسمة في الهند، الأمر الذي يجعلها ضمن أفقر دول العالم في عدد السيارات مقارنة بعدد السكان. يبلغ المتوسط العالمي 104 سيارات لكل ألف نسمة. المتوسط في الدول المتقدمة يفوق 700 سيارة لكل ألف نسمة. ولو نظرنا إلى بعض الدول الناشئة، لأدركنا مدى نمو الطلب على الطاقة في الهند نتيجة زيادة عدد السيارات. فبين عامي 1990 و2001، زاد عدد السيارات في بولندا من 150 إلى 280 سيارة، وفي سلوفاكيا من 150 إلى 250، وفي رومانيا من 50 إلى 150، وفي لوثيانيا من 140 إلى 350، وفي تشيكيا من 240 إلى 350 سيارة. أما إذا نظرنا إلى الهند فإن الرقم ليس منخفضاً فقط، ولكنه لم يتغير كثيراً خلال الفترة نفسها. مع ارتفاع مستوى دخل الفرد الهندي يتوقع زيادة عدد السيارات بالطريقة نفسها التي زادات بها في الدول الأخرى، الأمر الذي سيضمن استمرار الطلب على الطاقة، سواء كانت مستوردة من الخليج، أو منتجة محلياً. كما يسهم في تخفيف مخاطر ربحية المشاريع الاستثمارية في مجال الطاقة.
ـ عدد الحواسيب لكل ألف نسمة في الهند من الأقل في العالم، رغم شهرة الهند في تقنية المعلومات, فمتوسط نسبة عدد الحواسيب لكل ألف نسمة في الدول المتقدمة يبلغ نحو 100 ضعف هذا العدد في الهند. أما في السعودية فإن عدد الحواسيب لكل ألف نسمة يبلغ أكثر من 20 ضعف النسبة نفسها في الهند. مع ارتفاع الدخل، والتركيز على صناعة تقنية المعلومات، واحتمال تحول الهند إلى منتج للحواسيب كما هي الحال في الصين، يتوقع زيادة كبيرة في عدد الحواسيب، الأمر الذي لا يؤدي إلى زيادة استخدام الطاقة نتيجة زيادة عدد المستخدمين فقط، وإنما أيضاً نتيجة التصنيع, حيث إن صناعة الحواسيب من أكثر الصناعات كثافة للطاقة في العالم.
3 ـ صناعة سيارات محلية: أغلب السيارات على الطرقات الهندية منتجة محلياً. هذه الصناعة المحلية تضمن ثلاثة أمور، الأول أن هناك سيارات رخيصة نسبياً مقارنة بالسيارت العالمية، الأمر الذي سيساعد على سرعة انتشار السيارات مع ارتفاع مستويات الدخل في الهند. الثاني أن هذه الصناعة ستكون أقل عرضة للتقلبات والهزات الاقتصادية العالمية مقارنة بحالة استيراد هذه السيارات من الخارج. الثالث أن زيادة الطلب على السيارات سيؤدي إلى زيادة طلب صناعة السيارات نفسها على الطاقة. وبما أن صناعة السيارات تعتمد على صناعة الحديد والصلب المحلية، فإن طلب هذه الصناعة على الطاقة سيزيد بشكل كبير لأنها تعد من الصناعات كثيفة الطاقة. باختصار، وجود صناعة سيارات محلية سيزيد من استهلاك الطاقة، وسيسهم في تخفيف المخاطرة في الاستثمار في مشاريع الطاقة الهندية.
4ـ استمرار عمليات الإصلاح الاقتصادي: يتوقع أن تستمر الحكومات الهندية المتعاقبة في عمليات الإصلاح الاقتصادي، خاصة بعد النجاح الذي حققته صناعة تقنية المعلومات الهندية على المستوى العالمي، التي حولت مدينة بانغلور الهندية إلى إحدى العواصم العالمية في عالم تقنية المعلومات. الاستمرار في عمليات الإصلاح سيساعد على الاستمرار في رفع مستويات الدخل، وزيادة استهلاك الفرد الطاقة، وزيادة استخدام السيارات، وزيادة استخدام الحواسيب والأدوات الكهربائية الأخرى. في الوقت نفسه ستساعد عمليات الإصلاح على رفع العراقيل التي ما زالت موجودة في وجه الاستثمار الأجنبي في مجال الطاقة.
4 ـ قرب الهند من دول الخليج: يخلق القرب الجغرافي بين الهند ودول الخليج فرصاً ضخمة. فهذا القرب يجعل دول الخليج المصدر الطبيعي لواردات النفط الهندية. ومع زيادة استهلاك الهند الطاقة فإنه يتوقع زيادة اعتمادها على دول الخليج ليصل إلى 85 في المائة من احتياجات الهند من النفط عام 2020. وفي الوقت نفسه يخلق فرصاً استثمارية ضخمة للدول الخليجية والقطاع الخاص الخليجي. فالنمو الذي ستشهده الهند يتطلب استثمارات ضخمة في المصافي، والبتروكيماويات، ومشاريع توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها. إن الفرصة الذهبية، إن تمت، هي بناء أنابيب تحت الماء لنقل النفط والغاز إلى الهند.

الدور السعودي
أوضحت الفرص المذكورة أعلاه، وبشكل غير مباشر، معالم دور السعودية في قطاع الطاقة الهندي، التي حددت إطارها الاتفاقيات التي وقعها خادم الحرمين الشريفين خلال زيارته الهند في نهاية الأسبوع الماضي. إن زيادة اعتماد الهند على واردات النفط من دول الخليج يعني في النهاية زيادة وارداتها من السعودية، الأمر الذي يعزز من أمن الطلب من وجهة نظر السعودية، ويعزز من الفرص الاستثمارية في قطاع النفط السعودي. في الوقت نفسه فإن الهند تسعى إلى تأمين إمدادات الطاقة عن طريق تعزيز علاقتها الدبلوماسية مع السعودية من جهة، والسماح للسعودية بالاستثمار في قطاع الطاقة الهندي.
إن تجارب الاكتتاب الأخيرة في أسواق الأسهم الخليجية تدل على وجود سيولة ضخمة في السعودية بدأت في البحث عن فرص استثمارية خارج السعودية. هذه السيولة ستطول الأسواق الهندية عاجلاً أم آجلاً، وستضمن الفرص الموجودة في قطاع الطاقة الهندي عائداً مجزياً لهذه الاستثمارات، خاصة إذا استمرت الحكومة الهندية في عمليات الإصلاح الاقتصادي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي