المطلوب مؤتمر عاجل يبحث جودة التعليم العالي
حينما صدرت قائمة أفضل 500 جامعة في العالم لعام 2004 شعرت بالمرارة الحادة لأن أياً من الجامعات السعودية لم تكن ضمن الـ 500 جامعة، وحينما مر الخبر مر الكرام ولم تتحرك وزارة التعليم العالي للدفاع عن نظامها التعليمي وتأخذ المبادرات لوضع الجامعات السعودية على معايير الجودة العالمية شعرت بألم أكبر وغصة عميقة لأنني أيقنت أن التعليم العالي السعودي سيظل خلف كل الجامعات العالمية إلى ما لا نهاية, ولمن يريد الاطلاع على تصنيف الجامعات يزور http:www.webometrics.info.
كما أن صحيفة "التايمز" البريطانية أعدت عام 2005 استطلاعا للرأي حول تصنيف أفضل 100 جامعة على مستوى العالم, وشارك فيه 1300 أكاديمي من 88 دولة. وتم تصنيف الجامعات اعتمادا على مجموعة من المقاييس من بينها عدد الأبحاث العلمية التي تقدمها الجامعة، نسبة عدد أعضاء هيئة التدريس إلى عدد الطلاب، وقدرة الجامعات على جذب أبرز العلماء الأكاديميين إليها ومستوى الجامعة الأكاديمي, وعدد الزيارات لمواقع الإنترنت المتعلقة بالتعليم العالي، وللأسف لم يرد اسم أي جامعة عربية في استفتاء الصحيفة في وقت ورد اسم جامعات إسرائيلية متعددة.
وحتى لا نوجه رؤوس حرابنا ضد المعايير العالمية، فإن معايير وزارة الصحة السعودية تتهم كليات الطب السعودية بأنها تخرج أطباء يفتقرون إلى أهلية العمل الطبي، كما أن المؤسسات الصحافية تصف خريجي أقسام الصحافة بأنهم فقراء في علوم الصحافة، وينضم إلى هؤلاء القطاع الخاص الذي يرمي خريجي الجامعات بضحالة المعارف والعلوم في تخصصاتهم وفي غيرها من التخصصات الأخرى.
ورغم أننا نسلم باختلاف معايير التقييم التي تستند إليها كل هيئة علمية في تصنيف الجامعات, إلا أن الحقيقة تقول إن جامعاتنا غابت بصورة مؤسفة عن التصنيف العالمي لأننا ظللنا سنوات طويلة ونحن نداري قصورنا ونردد أننا حالة خاصة.
واليوم لم تعد عبارة الحالات الخاصة مقبولة بعد أن دخلنا في عصر العولمة وأصبحنا جزءا لا يتجزأ من نسيج مجتمع كوني واحد يتأثر بعضه ببعض من أقصاه إلى أقصاه.
أقول لقد توقعت وأنا أقرأ عدة تصنيفات عالمية على الشبكة العنكبوتية أن تنهض وزارة التعليم العالي لتدافع عن كرامة التعليم العالي وعن أعمالها وتدعو إلى مؤتمر عاجل لكل مؤسسات التعليم العالي والفعاليات الأكاديمية لمناقشة قضية جودة التعليم في ضوء المتغيرات المحلية والعالمية، ولكن فوجئنا, للأسف, أن وزارة التعليم العالي لم تنبس ببنت شفة وكأن الأمر لا يعنيها إطلاقاً، وهذا أمر لم يعد مقبولاً في عصر المجتمعات الرقمية الواحدة وفي ظل ثورة عالمية في الاتصالات والمعلومات.
إن الآمال التي نعلقها على المؤتمر المقترح هو أن يسعى إلى وضع خطة استراتيجية للتعليم العالي تتضمن إقرار المعايير الدولية لجودة التعليم وإنشاء هيئة مستقلة تتولى تقييم أداء المؤسسات التعليمية ومتابعة مدى التزامها بتطبيق معايير الجودة العالمية، وتطالب كل الجامعات السعودية بوضع نظام داخلي للجودة وإنشاء لجنة عليا للجودة في كل جامعة تتولى متابعة تنفيذ المعايير العالمية لجودة التعليم، وتقوم الهيئة المستقلة بإشعال جذوة المنافسة بين الجامعات على تطبيق معايير الجودة العالمية، كما يجب أن يقر المؤتمر إنشاء جامعة تهتم بالمعرفة التكنولوجية تلم شعث جميع كليات التقنية تحت قبتها ويكون هدفها القضاء على أمية التكنولوجيا وهي السبب الأول في تخلفنا عن ركب الجامعات العالمية.
إن عدم ظهور اسم جامعة سعودية واحدة من بين 500 جامعة في العالم يعتبر إهانة لبرامج التعليم، بل يعني أن مخرجات التعليم دون الجودة وأدنى من المستوى الطبيعي، وهذا من شأنه أن يعرقل مسيرة التنمية التي تقوم أساسا على التعليم والتدريب.
وإذا فحصنا ميزانيات التعليم في المملكة وقارناها بعدد من ميزانيات التعليم في الدول التي وردت أسماؤها ضمن الـ 500 جامعة، فإننا نجد أن ما تصرفه حكومتنا الرشيدة على التعليم يفوق بكثير ما تصرفه تلك الدول!
إن التعليم العالي في المملكة ظل طوال الـ 20 عاما الماضية لا يتسع لحدقة العلوم العصرية التي انتشرت في جامعات العالم وبدأت تغير وجه الأرض وظل التعليم العالي السعودي يمر بمرحلة من الرتابة وكأن ما يدور في العالم من تطورات لا يعنينا.
إن جامعة الملك فهد للبترول والمعادن كانت في يوم من الأيام إحدى الجامعات التي يشار إليها بالبنان، ثم أصبحت للأسف مثلها مثل بقية الجامعات المحلية السعودية وكان الأجدر أن يشد إليها المزيد من الجامعات السعودية لتصبح الجامعات السعودية منارات عالمية نفتخر ونعتز بها في كل الصعد العلمية والعالمية, وليس هذا بضنين على المملكة العربية السعودية التي طالت العالمية فأصبح اقتصادها يقارن بالعالمية، وسياستها الخارجية تكتسب الصفة العالمية، كما أن منتخباتها الرياضية تقارن بالعالمية، فلماذا لا تقارن جامعاتها أيضا بالعالمية؟
إن عدم وجود جامعات سعودية في قائمة التصنيف العالمي يعني أن التعليم العالي السعودي أقل من المستوى المطلوب، وإذا انخفض مستوى التعليم فإن معدلات التنمية في الوطن سوف تتأثر سلباً، وهذا ما حدث بالفعل بدليل أننا وطوال ربع قرن ونحن نحاول أن نعالج مسألتين أساسيتين وهما تنويع مصادر الدخل الوطني وتطوير سوق العمل بحيث تتماشى مع الطلب على العمالة، وللأسف فإن مسألة تنويع مصادر الدخل وبناء سوق للعمالة تتماشى مع متطلبات العمل مازالت أدنى من أحلامنا، ولقد ترتب على فشلنا في تأهيل الكوادر السعودية المدربة أن اتجهنا إلى الدول الأخرى نستقدم منها الأيدي العاملة التي أصبحت تملأ شوارعنا وكل مصانعنا ومعاملنا حتى أصبحت أكثر من نصف مجتمعنا العامل.
وحينما نلوم وزارة التعليم العالي فإننا لا نبرئ أنفسنا مما وصل إليه التعليم في المملكة, فكلنا مشاركون فيما آل إليه التعليم من مستوى متواضع, وواجب كل فعاليات المجتمع السعودي أن تسعى إلى جودة التعليم وأن نساعد الوزارة على وضع استراتيجية واضحة للتعليم تتناسب مع المتغيرات المحلية والدولية، لأن التعليم في الماضي لم يعالج للأسف مشاكلنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أصبحت مشاكل لها لون وطعم العصر الذي نعيشه وتحتاج إلى علوم وفنون هذا العصر, علما بأن التعليم في كل دول العالم هو المستشفى العام الذي يعالج كل مشاكل المجتمع ابتداء من الأمية وحتى العبقرية.
وفي النهاية فإن جودة التعليم لا تتحق إلا بمدرسين مؤهلين ومناهج دينية متطورة ومناهج عصرية لازمة هادفة لتحقيق استراتيجية التقدم.
إن المعرفة الإنسانية ركيزة الحضارة والازدهار، والتعليم هو العمود الفقري لمجتمع المعرفة، وربط التعليم بسوق العمل وتنمية المعارف والمهارات يحققان القدرة على التنافس، ولكن يجب أن يقترنا بالمحافظة على روح الانتماء وتنمية مفهوم المواطنة عند الشباب لكي نحصل في النهاية على الطالب المحلي بمواصفات عالمية.