مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية: تثقيف..وتدريب
في الأسبوع الماضي تلقيت دعوة لحضور اجتماع مناقشة الاستراتيجية والنظام التأسيسي لمركز الأمير سلمان للإدارة المحلية في جامعة الأمير سلطان في الرياض. فكرة المركز فكرة رائدة تبناها الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد العياف أمين مدينة الرياض. وتأتي تسميته باسم الأمير سلمان بن عبد العزيز عرفانا وتكريما ووفاء لأحد رواد الإدارة المحلية في السعودية فهو يملك خبرة واسعة في مجال الحكومة المحلية تصل إلى قرابة أربعة عقود. أثبت خلالها عمق الفكر وواقعية التعامل وحنكة الممارسة والدافعية نحو المبادرة واستباق الأحداث وتحديد الهدف والسعي بجدية وحزم نحو تحقيقه. فلسفته في إحداث التغيير ترتكز على مبدأ العمل الجماعي المنظم وتحديد الأدوار ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أحد أهم المنجزات في العمل الإداري المحلي في السعودية وهي خير دليل وأكبر شاهد على ما تحقق من إنجاز باهر, بل إنها صناعة مدينة وتحضر إنساني ومحطة بارزة في تاريخ العمران السعودي. وكل من عرف الرياض قبل 40 سنة فقط يعرف أنها كانت مدينة صغيرة تفتقد الكثير من مقومات المدينة العصرية الحديثة. وبفضل من الله ثم بفكره النير ونظرته الثاقبة تحولت الرياض إلى ما نشاهده وما يبهر الكثيرين بالتحولات والتطور الكبير حتى غدت العاصمة الرياض من أجمل العواصم وعروس المدائن.
إن فكرة الأمير الدكتور عبد العزيز العياف في إنشاء المركز التي ما فتئ يسعى إلى تحقيقها منذ زمن بكل حماس ينم عن إدراكه ووعيه بما يجري على الساحتين الداخلية والدولية من تحديات وإيمانه الراسخ بأهمية الدور الذي تلعبه المحليات (المدن) في التصدي لها وفلسفته في تطوير العمل الإداري المحلي من خلال منح صلاحيات وسلطات أكبر للإدارات المحلية بل إن رؤيته المستقبلية للإدارة المحلية تتمحور حول نقلة نوعية في مفهوم الإدارة المحلية من إطارها الحالي إلى مجال أوسع وأرحب بحيث يكون القرار محليا واستقلالا إداريا وماليا ومسؤولية مباشرة من سكانها. إلا إنه في الوقت ذاته يؤكد أن تكون منطلقات التطوير والتجديد نابعة من الهوية الوطنية والقيم الاجتماعية والخصوصية السياسية وأن يكون إحداث التغييرات المطلوبة تدريجيا ومرحليا حسب خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل توضح ما ينبغي عمله وتحقيقه في كل فترة. كما أنه يرى من الضروري لنجاح المركز في مهمته أن يكون مؤسسة لها قيمتها الاجتماعية وتلقى قبولا من المهتمين والممارسين في مجال الإدارة المحلية وعموم سكان المدن وليس فقط كونه منظمة تقوم بأدوار فنية إدارية واقتصادية بحتة وباتجاه واحد دون أن يكون هناك تفاعل اجتماعي بين المركز والعاملين والمتخصصين والمهتمين في مجال الإدارة المحلية. بمعنى آخر أن يمثل المركز القيم والتوجهات والتطلعات الاجتماعية نحو تطوير الإدارة المحلية من خلال برامج واستراتيجيات تعكس تلك التوجهات ويقوم بتنفيذها قيادات إدارية تنسجم مع توجهاتها ولها التطلعات والرؤى نفسها. ولا أكون مبالغا إذا قلت إن شخصية الأمير الدكتور عبد العزيز وأسلوبه القيادي وما يمثله من اتزان في الرؤية وعمق في التحليل وشمولية الطرح والحس الوطني الواضح الجلي والتواضع الجم العفوي والإنصات الفاعل للآخرين والاهتمام بسماع آرائهم وخبرته الواسعة في مجال الإدارة المحلية كمتخصص وممارس، ومهنيته العالية تؤهله لقيادة العمل التنموي في مجال الإدارة المحلية والدفع نحو تقليص الفارق بين الوضع الراهن والتطلعات المستقبلية والانطلاق بمسيرة التطوير في الاتجاه الصحيح لتحقيق إدارة محلية فاعلة ذات كفاءة عالية تستجيب للمتطلبات الاجتماعية، ورسم مستقبل الإدارة المحلية وتفعيل مشاركة الجميع بالإسهام في هذا المشروع الوطني الرائد.
إن المبادرة والاهتمام بالتأسيس لمركز الأمير سلمان للإدارة المحلية يأتي منسجما مع أهمية إدارة المدن كإحدى أولويات العمل الحكومي التي يستلزم علينا طرحه ومناقشته وتحليله والالتفات إليه بشكل جاد ونحن نسير في نهج اللامركزية السياسية والعمل على استقلالية القرار المحلي التي من أهم مظاهرها الانتخابات البلدية. كما إن تنامي دور المدن في التنمية الاقتصادية وما تمثله من ثقل سياسي وثقافي أبرزته المتغيرات المحلية والدولية يشكل تحديا كبيرا في استيعابه واحتوائه حتى لا تصبح المدن بؤرة مشاكل لا نستطيع السيطرة عليها والتعامل معها. فعدد سكان المدن يتزايد والطلب على الخدمات العامة يصل إلى معدلات لم نعهدها من قبل ونمط الاستهلاك قد تغير وما كان مقبولا في السابق لم يعد كذلك. أما التغيرات الدولية التي تعصف بجميع النظم الاقتصادية أو ما اتفق على تسميته العولمة والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية قد أدت إلى تشابك المصالح الاقتصادية وحدة المنافسة وأبرزت الحاجة إلى مدن ومحليات تمتلك المقومات الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية واستقطاب الاستثمارات المالية الداخلية والخارجية. أهم تلك المقومات تمكين السكان المحليين من المشاركة في اتخاذ القرارات الخاصة بهم ليكونوا أكثر إسهاما في التنمية المحلية وبالتالي تحمل تبعاتها والعمل على تفعيل وتنشيط وتحريك الموارد نحوها بوعي ومشاركة اجتماعية.
إن المشكلة التي تعانيها المدن تنبع من عدم وجود هيئة واحدة مسؤولة عن إدارتها وصنع سياساتها المحلية. فالوضع الراهن يعتمد على تقديم الخدمات في المدن من خلال فروع الوزارات التي تصدر قراراتها مركزيا وتنفذ محليا. قرارات تعتمد على الإجراءات الإدارية الداخلية لهذه الإدارات (البيروقراطية) دون أن تكون هناك هيئة محلية مسؤولة تعكس وجهة نظر السكان حيال ما يقدم من خدمات كما ونوعا وتتابع تنفيذها وأهم من ذلك كيف يرغبون أن تكون عليه مدينتهم. هذا الوضع أدى إلى وجود مشاكل تتعلق بنمو المدن وزيادة الكثافة السكانية وارتفاع معدل الجريمة والتلوث البيئي والزحام وغياب سياسات التنمية المحلية.
ما علينا إدراكه أن سكان المدن يجب أن يأخذوا حظهم من تحمل مسؤولية اتخاذ القرارات التي تخصهم ونتائجها. من أجل ذلك يلزم النظر للمدن كوحدات سياسية لها هيئة محلية تدير شؤون سكانها وترعى مصالحهم داخل نطاق جغرافي محدد وموثق قانونيا. وبذلك يخفف العبء عن كواهل الوزارات والإدارات المركزية لتتفرغ لوظيفتها الأساسية من رسم السياسات والاستراتيجيات الوطنية.
إن إنشاء مركز متخصص للإدارة المحلية ينبع من إدراك وحس وطني يعكس الرغبة في التطوير والتعرف على حجم الهوة بين الوضع الحالي وما نرغب أن تكون عليه الإدارة المحلية والسعي نحو تحسين أدائها.
ومع أن إنشاء مجالس المناطق والمجالس البلدية وتنظيمات المحافظات والمراكز يعد نقلة نوعية في التنمية السياسية وتطوير الإدارة المحلية وتخفيف المركزية، إلا أن هناك ضرورة لتطوير الكفاءات وتأهيل القيادات المحلية لجعلها أكثر قدرة على قيادة وإدارة العمل الحكومي المحلي وإحداث التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وتطوير الميزة التفضيلية لمدنهم وجعلها مدنا مستدامة من الناحية البيئية والاقتصادية والسياسية. وهذا أحد أهم الأدوار التي سيلعبها المركز من خلال تصميم وإعداد البرامج التدريبية والاستشارات الإدارية وتوفير المعلومات لتهيئة القيادات المحلية وتمكينها من أداء أدوارها بالشكل المطلوب.
مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية يمثل استجابة لتطوير الإدارة المحلية من خلال العمل المؤسسي المنظم، ما يتيح الفرصة ولأول مرة للتعرف على المشاكل الإدارية المحلية الواقعية وتحديدها وإبرازها ووضع الحلول الناجعة والإسهام في التثقيف الإداري في التحول نحو اللامركزية والارتقاء بالسياسات المحلية والتهيئة لتطوير إدارة مدن مستدامة.