رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تخطيط المدن بين الألم والأمل

التوسع الأفقي غير المبرر كلف الدولة موازنات 30 عاما من دون أن يُهتم بأي إحصاءات أو معلومات وطنية يعتمد عليها عند ممارسة أي نوع من التخطيط.

"أحياء عشوائية تشكل خطراً على مستقبل المدينة". جملة سمعتها عام 1984 وجعلتني أضحك آنذاك وأتساءل كيف يتشكل الخطر في مدينة حالمة في طريقها للتطوير مثل جدة؟ ومنذ ذلك الوقت وفي كل ملتقى يناقش تطوير وتنمية أي من مدن المملكة تتكرر هذه الجملة سواء بالأسلوب نفسه أو الصياغة أو المعنى. بعد مرور 21 عاما ما زال الكتاب من متخصصين وغيورين وفي مختلف الصحف المحلية يشيرون إلى تردي الوضع, وأنه أصبح مثيرا للشفقة والجدل في تخطيط المدن, ليس فقط في جدة، بل في المدن الأربع الكبيرة في المملكة (الرياض, مكة المكرمة, المدينة المنورة, وجدة)، حيث تتصف أحياء عدة في كل من هذه المدن بعشوائيتها التخطيطية والهندسية, وأن بعض الشوارع تستدعي التدخل السريع لأنها أضحت تؤثر سلبا في مجتمع المدينة وزائريها في جميع النواحي. إذا كان هذا حال المدن المرفهة التي صرف عليها مئات المليارات من الريالات، إما لأهميتها الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو الجغرافية, فكيف بالمدن ذات الأهمية الثقافية والتاريخية وباقي مدن المملكة الأخرى؟ وإذا كانت هذه مخرجات ست خطط خمسية مرت, فما مستوى ناتج الخطة السابعة وواقع ومخرجات الخطة الحالية؟
لقد أتمت جمعية الهندسة المدنية عامها الخامس قبل ثلاثة أشهر, فما إنجازاتها العملية والعلمية الفاعلة على أرض الواقع؟ وهل لا بد من الانتظار خمسة أعوام أخرى لنتلمس الفرق بعد تشكيل المجالس البلدية وانتخابات الهيئة الوطنية للمهندسين؟ إن مرور السنين وفيها تأسست الجمعيات والهيئات، إضافة إلى أعمال الوزارات المختصة لم يضف جديدا يصل برضا المواطن إلى مستوى مقنع, لأن تعميق جراح العشوائية ما زال مستمرا والحلول المطروحة والمنفذة غير ناجعة، فالتشوه المدني الناتج عن التخطيط الهندسي غير العلمي وقصير المدى هو القاسم المشترك لعشوائية هذه المدن. ففي الأحياء العشوائية لم يراع إرساء الاحتياجات الرئيسة مثل سلامة السكان أو سهولة تقديم الخدمات في حالات الطوارئ، إضافة إلى عدم توافر البنى التحتية الأساسية لها. من ناحية أخرى يسكن هذه الأحياء من يبحث عن رخص الإيجار, والبعد عن عين الرقيب لممارسة الهوايات المختلفة, وهذا خطر آخر أُفرز ومازال يُفرز أسوأ العواقب, حيث تتجاوز خطورة استمرار هذه الأحياء بهذا الحال إلى المخاطر الأمنية التي تعد أشد فتكاً بأي اقتصاد مهما بلغت قوته.
حقيقة أخرى عصفت بكل القوانين العلمية لتوسع مثل هذه المدن وهي التوسع الأفقي غير المبرر الذي كلف الدولة موازنات 30 عاما من دون أن يُهتم بأي إحصاءات أو معلومات وطنية يعتمد عليها عند ممارسة أي نوع من التخطيط، ففي مدينة مثل الرياض أصبحت تتوسطها وتنتشر في جنباتها أراض مازالت غير مستفاد منها وأسعارها العقارية جعلت الانبعاجات غير المتوازنة من كل جهة وجانب مسألة حتمية. هذا بالطبع أثر على الخدمات الأساسية مثل شبكات الصرف الصحي وتمديدات الخدمات الأخرى, حيث بدأت قبل عام إحدى الشركات العقارية الضخمة في بناء مشروع من أكثر من 300 فيلا وشارفت على الانتهاء, إلا أن الفلل بنيت على أساس وجود صهاريج صرف صحي لكل فيلا لعدم وجود شبكة صرف صحي ولا يلوح في الأفق أي بارقة أمل لشبكة تخدم هذه الأحياء بصفة عامة على المدى القريب. أما تمديدات خطوط الهاتف فقد توقفت وأصبحت الأحياء حول هذا المشروع تعتمد على هواتف تقنية "الإسقاط العجيب" ولا تتوافر إلا بحسب ثقل طالب الخدمة وأهميته, حيث ما زال السكان هناك تحت مطرقة شركة الاتصالات وسندان هيئة الاتصالات وأنظمة وزارة الاتصالات وطموحات "اتحاد اتصالات", ناهيك عن حجب المدينة مواقع الإنترنت عند الاتصال, ولا يُعرف متى ستُحل مشكلة الاتصالات؟
"الكهرباء" من ناحية أخرى جعلت المواطنين يؤجلون انتقالهم لسكنهم الخاص على مضض, ولمن تيسر له النقل فهو يقوم بإنارة الشوارع على حسابه الخاص للشعور بالطمأنينة مع هبوط شبح الظلام الموحش, بعد أن فقد الأمل في ذلك. والشيء بالشيء يُذكر, فظاهرة الجبيل وينبع تجعلنا نتساءل: هل يمكن جعل كل مدينة في المملكة تبدو كظاهرة في حد ذاتها مثلما بدت هاتان المدينتان؟ المهندس إيهاب العامري أحد المهندسين في الهيئة الملكية للجبيل وينبع, كتب في جريدة "الاقتصادية" قبل ثلاثة أشهر تقريبا متناولا مدينة جدة مثلاً لعشوائية التخطيط لتنفيذ مشاريع البنى التحتية, اقترح حلا علميا وعمليا للمشكلة, فهل سنرى ذلك مطبقا في كل مدن المملكة؟ فعلا نتمنى ذلك.
من ناحية التنظيمات والإجراءات وأسس التخطيط الهندسي النموذجي للأحياء والمدن, فمن المفترض أن يكون بكل حي أراض تخصص لتشييد مسجد ومدرسة ومركز صحي كأساس تخطيطي لأهم المرافق العامة. الواقع يختلف عن ذلك في كثير من الأحياء في كل المدن الكبيرة في المملكة، فنجد الانتشار العشوائي لهذه المرافق في جهة من المدينة ولا وجود لها تماما في جهات أخرى, وفي ظل إيكال المهمة إلى القطاع الخاص والسعي للتخصيص, يبقى الفرد رحالا بين أطراف المدينة ووسطها باحثا عن الخدمة التي يحتاج إليها بالجودة التي يطمئن لها هو وأسرته. تنظيم آخر يعتبره المتخصصون بديهيا، ولست له إلا بناقل، وهو أن تنشأ المدن الصناعية والمصانع أقرب ما يكون إلى مصادر المواد الخام لاستغلال عامل الزمن, وتخفيض تكلفة النقل وأسباب أخرى اقتصادية وفنية. وبالطبع هذا يعني إنشاء مساكن العاملين بها في مدينة سكنية تكفل لهم ممارسة حياتهم اليومية والعملية والحصول على احتياجاتهم بكل سهولة ويسر دون أن يرتادوا المدن الرئيسة ويشاركوا سكانها خدماتها إلا عند الحاجة. ما نشهده على أرض الواقع يخالف هذه البديهيات. ولزيادة الألم فلدينا الآن وحسب الخطة الخمسية المقبلة إنشاء عدة مدن صناعية جديدة في بعض مناطق المملكة، فهل ستكون مقننة بطريقة تتواكب والأسس العلمية والنموذجية التي تخدم المواطن أينما كان؟
إن من العجيب هنا أن نفكر في مشروع قطار الأحلام في الرياض دون أن نفكر في تغيير ثقافة المجتمع نحو نوعية المواصلات الممكن استخدامها؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟, أو التمهيد لمشروع ضخم مثل هذا على المستويين الاقتصادي والتنموي، فلا نعرف ما الجدوى الاقتصادية للمشروع؟ وهل لا بد أن يكون لدينا ما تتمتع به باريس، لندن، ونيويورك، وغيرها من المدن الضخمة في العالم؟ لقد أعلن عن وجود استراتيجية لبدء هذا المشروع الحالم تحت الأرض في حين أننا لم نحقق على مدار 30 عاما بعض ما كنا نحلم به فوق الأرض، فمن متطلبات مثل هذه المشاريع تحويل بعض المواقع من المدينة إلى مناطق مشاة وإدخال تحسينات جذرية لمواقع أخرى لتكون خطوات عملية في تغيير ثقافة المجتمع أولا, وتحسين مداخل ومخارج المدينة المرورية ثانيا, وتفعيل النقل العام ثالثا, .. وهكذا. ثم لأن الاتصالات في ثورتها التقنية الآن فهناك تمهيد لقيام الفرد بعمله عن بُعد دون الحاجة للتنقل بين عمله ومنزله مما يعني أننا بعد 30 عاما قد نحتاج لشيء آخر ولا أعتقد أنه قطار الأحلام!
لقد مضت 30 عاماً اعتمدت الدولة فيها سبع خطط تنموية، كانت في معظمها خططاً طموحة ومثالية فقط, ولكن مستوى التنفيذ كان متدنياً بحيث لم يتجاوز، حسب بعض التقارير، 30 في المائة من المشاريع التنموية الاجتماعية كالصحة، التعليم، الشؤون البلدية، الكهرباء، الاتصالات، والنقل. لم يكن يعوقها آنذاك ضعف الميزانية، أو ضعف الإرادة أو قلة الكفاءات، ولكن العائق الأساسي كان عزلة وانعزال الإدارة المسؤولة, وغياب التخطيط العلمي, وسوء التنفيذ الذي افتقد وجود آلية ومنهجية منظمة.
الحاجة الآن ملحة لمباشرة بناء الأحياء الجديدة على أسس تخطيطية سليمة قبل أن تتسابق في تنميتها العشوائية مع الأحياء القديمة التي هي أصلا في حاجة ماسة جدا لتحسين وضعها. لدى الوزارة مخصص يفوق 13 مليار ريال في ميزانية هذا العام لتحسين الخدمات البلدية, فهل يمكن للمجالس البلدية أن تعمل مع الوزارة, الجمعيات والهيئات الهندسية, الهيئات العليا لتطوير المدن, وهيئات المدن الصناعية, لتخفيف العبء عن المدن والقرى واتخاذ القرار بعد إجراء الدراسة وليس العكس؟ وهل ستمنح المجالس البلدية صلاحيات تجعلنا نتوقع تخصيص الموازنات لكل منطقة على حدة ابتداء من الخطة الخمسية المقبلة (التاسعة), على أن يتم تأهيل الإدارات المعنية في المناطق خلال هذه الخطة الحالية (الثامنة) للقيام بالتخطيط والتنفيذ والصرف والتقييم والتطوير تمهيدا لبلوغ الأهداف المنشودة بواقعية مثالية؟ وهل يمكن الاستفادة من الطفرة في تنويع الاستثمار وتطوير مشاريع المدن من خلاله؟ الدعوات متواصلة ومن الأعماق لتحقيق ذلك، وآمالنا لمستقبل زاخر وزاهر ونماء مستديم، بإذن الله.

[email protected]

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي