الاقتصاد السعودي .. البعد الاجتماعي

لا يمكن أن نشجع السياحة الداخلية ونهرب في الصيف بعد أن نمجد فضائلها، فالرياء يهدم مصداقية القدوة الحسنة. وليس لأستاذ جامعي أن يُعطى الفرصة للتعليم في الغرب ثم يستنجد بجميع الحيل للتهرب من أبحاث جادة أو أن يهجر عالم المعرفة بعد الرجوع إلى أرض الوطن بدعوى أن الجامعة لا توفر فرص البحث وأن المجتمع غير متقبل.

يرغب الكثير من الاقتصاديين في نزعة القياس ونعت علم الاقتصاد بالدقة والحسبان لكل عامل مؤثر إما من حسن نية رغبة بالأخذ بمنهج علمي رصين, وإما من حالة تجاوز وقفز حول الاستحقاقات الاجتماعية والسياسية التي يصعب قياسها. بين هذا وذاك تجد المناقشات الاقتصادية التي تنصب على تنمية المجتمع قليلة ونادرة. هناك نقاط تقاطع مفصلية ومهمة بين الحالة الاجتماعية وعناصرها المؤثرة والاقتصاد, لذلك علينا تنمية البعض والحد من البعض الآخر.
واقتصاديا: الحالة السعودية فريدة من ناحية مهمة وهي توافر رأس المال على حساب غياب عوامل مهمة أخرى أكثرها من صنع الإنسان وعليه التعامل معها. فمع الوفرة المالية لا يزال هناك إشكال اقتصادي (محدودية القدرات الفنية والعلمية, هروب رأس المال في سياحة واستهلاك خارجي, عدم وجود تعليم راق, فقدان أجزاء أساسية من البنية الحديثة وضعف بعض المؤسسات الحكومية في تنفيذ أهدافها). فهناك حاجة ماسة إلى تزاوج رأس المال مع المحركات الاقتصادية والتغلب على القصور الاجتماعي, نستطيع التغلب على القصور الاجتماعي بعد فهم ومعالجة ركائزه التي تحتاج إلى تقويم ونستعرض البعض منها تباعا.
إحدى أهم العادات التي جبل عليها الإنسان هي التقليد الإيجابي ودور القدوة الحسنة في جميع المستويات الاجتماعية وخاصة في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع العشائري حيث إن للغيرة دورا إيجابيا. كما أن القدوة الحسنة تزيد المسافة التي يسافر فيها الفرد ذهنيا بعد أن يرفع رأسه ويجد غيره في الأمام. هذه الآلية تحرك الطفل في الروضة وحتى لما يحصل سعودي على براءة اختراع أو مركز عالمي مرموق في أي مجال حياتي. لكي تكون القدوة مؤثرة وحسنة فعليا يجب أن تفعل ما تقول وتقول ما تفعل؛ فالخائف لا يتقدم.
لا يمكن أن نشجع السياحة الداخلية ونهرب في الصيف بعد أن نمجد فضائلها، فالرياء يهدم مصداقية القدوة الحسنة. وليس لأستاذ جامعي أن يُعطى الفرصة للتعليم في الغرب ثم يستنجد بجميع الحيل للتهرب من أبحاث جادة أو أن يهجر عالم المعرفة بعد الرجوع إلى أرض الوطن بدعوى أن الجامعة لا توفر فرص البحث وأن المجتمع غير متقبل.
ركيزة أخرى هي فقدان الانضباط وتغليب حالة من الرغبة الجامحة في وصول الهدف من أقصر الطرق على حساب الطريق الصحيح مصحوبة بحالة من الارتخاء تجاه حقوق الآخرين. نجد هذا التصرف في قيادة السيارة واضحا للعيان, فبينما تجد المواطن العادي يخجلك أدبا عند دخول المصعد تراه بعد أن تفترقا من موقف السيارات يغض النظر عن مقود السيارة ويراهنك على حياتك. يا ترى هل لفقدان الانضباط من علاقة بالأنانية؟ وما علاقة ذلك بالاقتصاد؟ هل الأنانية تمزق الرغيف قبل أن يكبر ويستوي لكي نتقاسم رغيف أكبر وألذ؟ لحسن حظ بلادنا أن القيادة لم تأخذ بمبدأ الاقتصاد الاشتراكي الذي دمر روح المبادرة وأخذ المخاطرة الذي هو بذرة اقتصاد السوق. ولكن حينما نجا المجتمع من ويلات الأنظمة الاشتراكية لم ينج من براثن الأجهزة الحكومية البيروقراطية. فبدأ البيروقراطي يعتقد أن دوره ليس خدمة العامة ورجال الأعمال وإنما رغبة في السيطرة والتحكم في أحسن الأحوال واستغلال المنصب في أسوأ الأحوال. ونظرا لنمو الجهاز البيروقراطي تجد القيادات في الغالب مؤهلة على المستوى الفردي وتقول الصحيح ولكنها تتربع على أجهزة لا تستطيع تغيير شيء فيها حيث إن جل العمل في هذه الطبقة التي يصعب اختراقها. فلماذا لا تأخذ وزارة التجارة على عاتقها تقصير مدة تسجيل الشركات إلى حد اليوم الواحد كما في كندا كهدف يجب أن نصله بعد سنة أو سنتين مثلا. أو أن تستطيع مؤسسة النقد رفع الحماية عن البنوك في تحويل الراتب للقروض الشخصية حتى تنمي البنوك قدرة دراسة أدق ومعرفة وتحليل لتصنيف العملاء. فالمؤسسة تحمي من لا يستحق الحماية ولذلك تجد البنوك لا تبحث عن سبل أعمال جديدة بجدية وفاعلية تخدم القطاع المصرفي والاقتصاد السعودي على المدى الطويل.
يشكل الاستهلاك اليوم أحد أهم أعمدة الطلب وأهمها في بعض الاقتصاديات, ونحن لسنا هنا بصدد نقد أخلاقي حول الاستهلاك بل في محاولة لفهم أنماطه لما يخدم الأفراد وبالتالي الاقتصاد الجماعي. في بعض المجتمعات تجد الأب يضحي بمنزل أكبر أو سيارة فاخرة لكي يوفر مبالغ أكثر لتعليم أولاده وبناته بينما في مجتمع آخر تجد أن حب المظاهر والرحلة الصيفية تتقدم على التعليم في سلم الأولويات, يا ترى أي من هذا يصف مجتمعنا أو جزءا كبيرا منه؟ هذا خيار اقتصادي تقوم به كل عائلة.
النجاحات في المجتمع تبدأ باختراقات ونجاحات بسيطة هنا وهناك ولكن هل للمجتمع أن ينجح دون دور فاعل للحكومة في فهم محركات المجتمع وتعزيز القوي منها وتذليل الصعب منها حتى الوصول؟
وهل الاقتصاد إلى علم الخيارات والتفاضل بينها؟ وما التعليم إلا أهم ركيزة في إيجاد مجتمع عالي الإنتاجية عالي الدخل. ولكن على الحكومة مساعدة الناس في إيجاد البيئة الصحيحة, فمثلا المراقب للحالة التجارية يجدها تخدم التاجر على حساب الموظف العامل أو المستهلك. في بلادنا تجد المراكز التجارية تبقى مفتوحة حتى ساعة متأخرة من الليل, فلماذا لا تغلق المحلات بعد صلاة العشاء مثلا, عدا بعض المحلات الضرورية بعد أن تدفع رسوما للبلديات عن كل ساعة إضافية.
ولنا في القرآن الكريم خير مثال حيث تقول الآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". سلسلة هذه الأعمال والتصرفات تقود إلى ثقافة وتصرفات تخدم بناء اقتصاديا أقوى وأكثر قدرة على السيطرة على مستقبله من اقتصاد رعوي يرهن مستقبله على أسعار النفط. بل يستغل أسعار النفط لإعداد الحال لمرحلة أكثر تحد. نستطيع التنفيس من خلال لوم الآخرين وخاصة الحكومة, ولكن الحكومة تخرج من رحم هذا المجتمع وهذا المجتمع يطلب القيادة من الحكومة. هل نستطيع إغلاق هذه الدائرة إيجابيا لمصلحة الجميع؟ أكاد جازما أن الإجابة بنعم ولكن يبقى العمل.

[email protected]

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي