هل ثروتنا المائية قابلة للتصدير؟!
الماء سر الحياة، والترشيد أولا، ماؤنا ثروتنا، عبارات جميلة يطالعها من يقوم بزيارة الموقع الإلكتروني لوزارة المياه، كل تلك العبارات تحث الزائر على الاهتمام والحرص على هذه الثروة المهمة جداً. في الحقيقة نشر كثير من الدراسات والعديد من المقالات، التي تتحدث عن الاستنزاف الكبير لهذه الثروة المائية في بلد مثل المملكة العربية السعودية، التي تعاني من شح مائي قد يهدد مستقبل الأجيال المقبلة. تلك الدراسات والمقالات ركزت على جانب من جوانب هذا الاستنزاف، إن صح التعبير، هو الاستهلاك الزراعي فقط، حيث ركّزت تلك الدراسات على هذا الاستهلاك من جميع جوانبه، ولكن لم يتم التطرق إلى جانب مهم من جوانب هذا الاستهلاك أو الاستنزاف لهذه الثروة، ألا وهو الجانب الصناعي، وذلك بحجة أن هذا الاستهلاك أو الاستنزاف قليل مقارنة بالاستهلاك الزراعي أو غيره من أنواع الاستهلاك الأخرى مثل الاستهلاك المنزلي أو غيره، ولكن الحقيقة غير ذلك، لذلك ومن هذا المنطلق عمدنا إلى إيجاد هذه الدراسة المبسطة عن هذا الجانب المهم جدا من الاستهلاك (الاستهلاك الصناعي)، والسؤال المطروح هنا، ما مدى تأثير هذا الاستنزاف الصناعي على الثروة المائية؟ وهل هناك آليات معيّنة تحد من هذا الاستنزاف الجائر على هذه الثروة الغالية علينا جميعا؟ وهل يكون البحث عن الثراء مسوغا للاستثمار على حساب ثروتنا المائية؟ تلك الأسئلة لا تحتاج إلى دراسة واحدة بل عدة دراسات متخصصة للحد من مثل هذا الهدر، إن صح التعبير.
بداية لعلنا نتطرق هنا إلى أنواع هذا الاستهلاك الصناعي غير المدروس للماء، حقيقة هناك نوعان من هذا الاستهلاك، هما استهلاك الماء في عملية تبريد المصانع، وهذا موضوع يحتاج إلى دراسة مستقلة بذاتها نظرا لكمية المياه المهدرة من هذا الجانب، والنوع الآخر، الذي سنقوم بالتركيز عليه في هذه الدراسة هو استهلاك مصانع تعبئة المياه الصحية أو المعدنية وغير المدروس. نعم نحن ولله الحمد في المملكة نعتبر دولة مستقرة من جميع الجوانب، سواء سياسيا أو اقتصاديا أو غيرهما من الجوانب، وهذا بالطبع ينعكس على نمو الاستثمار في السوق المحلية، خصوصا في ظل الدعم اللا محدود الذي يلقاه المستثمرون، سواء كان الدعم معنويا أو ماديا، لذلك ونتيجة للعوامل السابقة تنامى الاستثمار في مجال صناعة المياه الصحية خلال السنوات الماضية، وذلك نظرا لجدوى الاستثمار في هذا النوع من المشاريع الاستثمارية، وأصبحت هذه المشاريع تتزايد في السوق المحلية حتى أصبح العرض يفوق الطلب، وبالتالي أصبحت نسبة استغلال الطاقات الإنتاجية لتلك المصانع منخفضة جدا، مما حدا بكثير من المصانع إلى البحث عن بدائل من أجل استغلال الطاقات الإنتاجية لتلك المصانع. ومن هذه البدائل، على سبيل المثال، انتهاج استراتيجيات تسويقية متعددة من أبرزها القيام بإنتاج مياه بكميات كبيرة وبأسعار منخفضة، أيضا العمل على تخفيض تكاليف الإنتاج بقدر الإمكان، حتى وإن كان ذلك على حساب الجودة، وكذلك من الاستراتيجيات، إن صح أن نطلق عليها ذلك، العمل على استغلال الطاقة الإنتاجية القصوى لتلك المصانع من خلال التصدير إلى الأسواق القريبة من السوق السعودية، والتي منها على سبيل المثال أسواق بعض دول الخليج. وهذا محور بحثنا. نعم نريد لمنتجاتنا أن تصل إلى أسواق العالم، ونريد أن تحتل منتجات مصانعنا حصة سوقية جيدة من تلك الأسواق العالمية، ومنها بالطبع منتجاتنا من المياه الصحية، كل ذلك يعتبر طبيعيا ومطلبا للجميع في العرف التجاري. ولكن سؤالنا هنا: كيف يتم التسويق على حساب ثروة تعاني المملكة من نقص شديد فيها؟ وكما يعلم الجميع فإن المملكة تعاني من شح كبير في الثروة المائية، وذلك لعدم وجود أنهار في المملكة، ولانخفاض مستوى منسوب المياه الجوفية بسبب محدودية سقوط الأمطار خلال السنوات الماضية. نحن هنا لا نريد أن نقف أمام نمو وتطور صناعة مهمة من صناعاتنا، بل على العكس تماما نتمنى أن نشاهد منتجاتنا تغزو العالم، ولكن أن يكون الانتشار والتسويق على حساب ثروة يعاني الجميع من شح فيها، فهذا من الصعب تصوره. ومما يؤكد ذلك توجه أغلب مصانع المياه في المملكة للتصدير إلى الأسواق الخارجية، وذلك من أجل استغلال كامل الطاقة الإنتاجية لديها، والتي لا تستطيع استغلالها كاملة عند التسويق محليا، وذلك لأن المنافسة في السوق المحلية كبيرة جدا نتيجة لأن العرض أكبر من الطلب المحلي. ومما يؤكد هذا التوجه التصديري الحجم المتنامي للتصدير المتنامي سنويا بشكل ينذر باستنزاف المياه بشكل كبير، وهذا بالطبع سوف يؤثر في مستقبلنا ومستقبل أجيالنا.
وكما هو ملاحظ الزيادة الكبيرة في الكميات المصدرة من المياه للأسواق الخارجية، وهذا يجعلنا نتساءل: هل مبدأ الربح والخسارة لعدد محدود من المستثمرين يعتبر مسوغا لاستهلاك ثروة مائية نعاني فيها نقصا، إن موضوع المياه في المملكة في حاجة ماسة للبحث من جميع الجوانب، خصوصا أن لدينا نموا سكانيا مرتفعا مقارنة بغيرنا من الدول الأخرى. ولا ننسى الرقابة على تلك الثروة وكيفية استخدامها، خصوصا في ظل وجود مستثمرين لا يوجد في قاموسهم سوى الربح والخسارة المادية فقط، ومما يؤكد ذلك بعض الممارسات غير المشروعة التي يمارسها أولئك المستثمرون، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر القيام بعملية التعبئة من المياه المحلاة (مياه البلدية) المخصصة للمواطنين، وذلك من أجل تخفيض تكلفة الإنتاج لديهم، وتحقيق هامش ربح جيد مقارنة بالمنافسين. في الحقيقة موضوع المياه لدينا موضوع شائك جدا ويحتاج من الجميع إلى وقفة سواء كمستثمرين أو جهات رقابية، أو مستهلكين، كل منا عليه مسؤولية تحتم عليه أن يحافظ على هذه الثروة من أجل مستقبلنا ومستقبل أجيالنا.
<a href="mailto:[email protected]">aaabalkhail@hotmail.com</a>