رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


سوق الأسهم: استثمار مع وقف التنفيذ؟!

يجب ألا نستغرب تزايد معدل البطالة في الأيدي العاملة الوطنية لأن هناك بطالة أخرى اسمها الاستثمار المالي في سوق الأسهم. إن هذا الكم من الأموال المعطلة لو وُجه نحو صناعات تكاملية مثل صناعة السيارات والأجهزة الكهربائية والإلكترونيات، وقطاعات خدمية مثل التعليم والصحة لكان خيرا كثيرا.

ليس هناك مَن يستطيع فهم وتحليل ما يجري في سوق الأسهم السعودية، فضلا عن التنبؤ بما سيحدث في المستقبل القريب. وضع غريب أشبه ما يكون بلعبة قمار عنه سوق للأسهم, فلا قوائم مالية تؤخذ في الحسبان ولا الأداء المالي للشركات ومكرر الربح للسهم ولا إنتاجيتها ولا الطلب المستقبلي على منتجاتها ولا نمو القطاع أو الصناعة وتوجهاتها المستقبلية كل ذلك لا يلتفت إليه! وعوضا يعتمد على مؤشر قيمة السهم صعودا ونزولا وقيمته السوقية التبادلية وليس النفعية الإنتاجية. بعض الشركات في سوق الأوراق المالية لم يبدأ نشاطه بعد! وأخرى وهمية تحمل اسما رناناً دون حتى مقر!، وهناك شركات تعلن عن خسائرها جهارا نهارا على صفحات الجرائد، ومع ذلك تجد قيمة أسهمها في ارتفاع متزايد وبسرعة الصاروخ!! ماذا يحدث؟! هل هذا معقول؟! أليس في القوم رجل رشيد؟ هل غاب المنطق مع التضخم الوهمي لقيمة الأسهم واغتر الناس بالربح السريع والارتفاع الذي لا يمثل الطلب الحقيقي على الإنتاج!
إن أزمة مالية كبيرة توشك أن تقع يكون ضحيتها عدداً كبيراً من صغار المساهمين. المساهمزن الذي استبدلوا أصولهم الحقيقية من عقار أو مدخرات ليستثمروها في سوق الأسهم! أعتذر للقرّاء الكرام عن وصف سوق الأسهم بالمقامرة إلا أنني اضطررت لذلك لسببين رئيسيين: الأول، إن هناك تشابها كبيرا بين تفكير ودافعية وسلوك كثير من المضاربين بسوق الأسهم، وذلك التفكير التخيلي للمقامر ذي النزعة نحو جعل احتمالية الربح دائما في جانبه، وعدم الاكتراث والتحسب للأسوأ واحتمالية الخسارة. وبسبب سيطرة الأماني غير الواقعية يندفع وبكل قوة ويستمر في إصراره في أنه يوما ما ستتحقق أمنيته وينهمر المال عليه من كل حدب وصوب، بل من الغريب أن يقوى هذا الشعور أكثر من ذي قبل، بعد كل خسارة يُمنى بها! لذا يُجمع الخبراء في سوق الأوراق المالية أن هناك خصلتين سيئتين يجب على كل مضارب أن يتجنبهما: الجبن والجشع. فالجبن يجعله وجلا يتردد ويجفل عن شراء الأسهم المتدنية في التوقيت المناسب. أما الجشع فيثبطه عن البيع والخروج من السوق في التوقيت المناسب حين تكون قيمة السهم في تزايد فيبخل ويجشع في طلب المزيد حتى إذا وقعت الفأس في الرأس تمنى لو أنه رضي بما جنى من أرباح بدلا من أن ينتظر وتتراجع الأرباح ويخسر الكثير. يبدو أن المضاربين في السوق السعودية لديهم الشجاعة منقطعة النظير في الشراء (كالمقامر) ولكن ليس لديهم ما يكفي من الكرم ما يدفع عنهم حال الجشع والاكتفاء بما يجنونه من أرباح، فتراه يصر على الاستمرار والاحتفاظ بالأسهم جشعا حتى تأتي اللحظة الحاسمة ولات حين مناص.
السبب الثاني لتشبيه سوق الأوراق المالية بالمقامرة هو أن عملية المضاربة، كما هي عليه في سوق الأسهم السعودية، لا تسهم في التنمية والنمو الاقتصاديين. فهناك تداول للأموال من شخص لآخر دون أن تكون هناك قيمة اقتصادية مضافة. على سبيل المثال قد تجد شركة زراعية جل أرباحها من غير المشاريع الزراعية! بل بعض عوائدها حصيلة استثمارات في الأوراق المالية! وجزء آخر فوائد ربوية لإيداعات بنكية. وهكذا نكون دخلنا في دوامة من التعاملات في الاقتصاد لا تسمن ولا تغني من جوع.
ثمة حقيقة علينا إدراكها وهي أن الاقتصاد الوطني يجب أن ينمو بمعدل يمكننا من مواجهة تزايد الطلب على السلع والخدمات بسبب تزايد عدد السكان والتغير الثقافي ونمط الاستهلاك وإذا لم نستطع أن نجاري هذا الطلب فسنواجه أزمات وتحديات اقتصادية لها تبعات سلبية اجتماعية وسياسية وأمنية.
لا أتحدث هنا عن المدى القصير ولكن عن المدى الطويل، والطويل جداً. وتجربة الطفرة الاقتصادية الأولى ليست ببعيد فبعض تأثيراتها السلبية وتداعياتها مازلنا نعاني بعضها نتيجة عدم تفعيل المشروع التنموي بشكل متكامل والتقصير عن أداء بعض الأدوار والتوجهات الاقتصادية التي كان من المفترض تطبيقها. صحيح أننا استثمرنا في البُنى التحتية وحققنا إنجازا منقطع النظير، إلا أننا لم نوفق للتأسيس لصناعات تحويلية ما عدا تجربة "سابك" الحكومية وصناعات أخرى انبثقت وتولدت من رحم القطاع الخاص. العامل الرئيس وراء هذه الصناعات الناجحة المستدامة هو التوجه نحو الاقتصاد الجمعي Agglomeration Economy حيث تكون هناك عدة مصانع تشكل في مجملها صناعة واحدة مثل صناعة البتروكيماويات ومنتجاتها. تجربة أخرى ناجحة هذه المرة في القطاع الخاص هي صناعة الألبان. فإضافة إلى إنتاج الألبان ومشتقاتها وتربية الأبقار هناك صناعات أخرى مساندة نشأت على هامشها معتمدة عليها مثل صناعة التغليف وصناعة الأعلاف والتسويق التجاري. معظم المصانع الحالية مصانع متشرذمة استثماراتها غير موجهة نحو صناعة بعينها بحيث لو أقفل عدد كبير منها لم يتأثر الاقتصاد الوطني كثيرا. السبب أنه لا اعتمادية بين تلك المصانع، وأن جلها استهلاكية وليست رأسمالية وبالتالي يمكن تعويض إنتاجها بالاستيراد.
إن مثل هذه الصناعات التجميعية الاستهلاكية لا تسهم في النمو الاقتصادي واستيعاب الأيدي العاملة الوطنية التي أصبح يُنظر إليها على أنها أزمة حقيقية تؤرقنا وتشكل هما وتحديا كبيرا، بدلا من أن تكون محفزا وعاملا إيجابيا نحو زيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي. لكن كيف السبيل إلى ذلك والقدرة الإنتاجية للاقتصاد ضعيفة وحجمها ضئيل، نفتقد اقتصادا تكامليا لصناعات تحويلية رأسمالية وليس فقط استهلاكية. قد يقول قائل اقتصادنا ولله الحمد إنتاجيته عالية بدليل أن الدخل الوطني تزايد بمعدلات عالية فأين أنت من ذلك!! المشكلة التي نعاني منها في اقتصاد نفطي كاقتصادنا هي أن الدخل الوطني ليس بالضرورة يعكس الإنتاج الوطني! بدليل أن الدخل الوطني يعتمد ويتأثر تأثرا كبيرا بتغير أسعار النفط ارتفاعا وهبوطا وليس بالضرورة انعكاسا للزيادة في الإنتاج الحقيقي (العضلي والفكري للأفراد). من هنا كانت إشكاليتنا في التوهم والاغترار بقوة الاقتصاد الحالية نتيجة ارتفاع أسعار النفط ووضع تصورات وافتراضات وتوقعات عن حال الاقتصاد في المدى الطويل بناء على تلك المعطيات التي قد لا تدوم طويلا، إذ إن الانتعاش الاقتصادي الذي نلاحظه في المدى القصير إذا لم يستثمر ويوجه نحو بناء صناعات تكاملية في المدى الطويل فلن يستديم ذلك النمو الاقتصادي. وسنجد أنفسنا مرة أخرى نخوض تجارب انتكاسية قاسية تأخذنا على حين غرة ودون أن نحسب لها حسابا بسبب ظروف خارجة عن إرادتنا ولا نملك السيطرة عليها. لذا ونحن في غمرة الطفرة الاقتصادية كان لا بد من تأكيد أن مؤشر النمو الاقتصادي هو الزيادة الفعلية للإنتاج الوطني في القطاعات غير النفطية وليس التضخم المالي وما نجنيه من عوائد النفط أو مؤشر سوق الأسهم الذي لا يعتمد على إنتاجية الشركات.
هكذا تتضح صورة سوق الأسهم من حيث إنها استثمارات مالية ليست موجهة في معظمها نحو التنمية الاقتصادية والإنتاج الفعلي الذي يقود إلى تراكمات من الأنشطة الاقتصادية تسهم في دوران عجلة الاقتصاد. قد نكون في ظاهر الأمر من أقوى الاقتصادات في المدى القصير لكن السؤال الأهم: هل نحن كذلك في المدى الطويل؟! كثير من الشركات المتداولة أسهمها في سوق الأوراق المالية لا تجدي نفعا للاقتصاد الوطني ولا تنبئ عن إسهامات حقيقية في الاقتصاد على المدى الطويل. صحيح أن اقتصادنا يعتمد اقتصاد السوق والحرية الاقتصادية لكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن نترك الحبل على الغارب دون توجيه واستراتيجية اقتصادية تكون البوصلة للاستثمارات الخاصة والعامة. كما أن أي مشكلة في السوق ستلقي بظلالها على الجميع وسيطول تأثيرها الكل.
من أجل ذلك يجب ألا نستغرب تزايد معدل البطالة في الأيدي العاملة الوطنية لأن هناك بطالة أخرى اسمها الاستثمار المالي في سوق الأسهم. إن هذا الكم من الأموال المعطلة لو وجه نحو صناعات تكاملية مثل صناعة السيارات والأجهزة الكهربائية والإلكترونيات، وقطاعات خدمية مثل التعليم والصحة لكان خيرا كثيرا ونفعا عاما، ولأصبنا أكثر من عصفور بحجر واحد بدلا من أن نمسك بعصفور واحد استسهلنا اصطياده مصاب بإنفلونزا الطيور! كما نكون قد حققنا أكثر من هدف وتمكنا من مواجهة التحديات والصعوبات بواقعية وعلى أرضية صلبة تكون بداية نهاية معوقات التنمية والانطلاق نحو آفاق أوسع وأرحب في الاقتصاد بدلا من التقوقع في صناعات استهلاكية أو تداول أسهم شركات وهمية لا تؤدي إلى اتساع الاقتصاد وزيادة إنتاجيته، وإنما القضاء على المنشآت الصغيرة التي تمثل الأساس لكل اقتصاد. والحال كذلك فإن من المحتمل أن يصل هذا اللهث وراء ربحية آنية ومنافع وقتية إلى تزايد الضغط على السوق والدفع إلى رفع قيمة الأسهم وزيادة التعاملات إلى حدود لا يحتملها الحجم الحالي للاقتصاد ومن ثم هبوط حاد لا تحمد عقباه. بقي سؤال محير لا أعلم له جوابا: ما الفرق بين بعض الشركات في سوق الأوراق المالية وشركات استثمار الأموال التي تم إيقافها؟! أليس من الأحرى اتخاذ الموقف نفسه في حق الطرفين؟! مع العلم أن بعض شركات استثمار الأموال كان يعمل في قطاعات إنتاجية ويدر عوائد أكبر لمساهميها!! ومَن يتحمل مسؤولية الإجابة عن ذلك.. هل هي هيئة سوق المال أم جهة أخرى؟!

- رئيس قسم التخطيط الحضري والإقليمي
جامعة الملك فيصل
Dr. [email protected]

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي