الحج ووزارة التجارة .. النظرية والتطبيق
لا أدري إذا كانت النظريات الاقتصادية الحالية قادرة على تفسير ما يحدث للأسعار من ثبات خلال موسم الحج وعدم ظهور سوق سوداء وخاصة فيما يتعلق بالخدمات المساندة التي يحتاج إليها الحجيج في يوم النحر ومنها ذبح الأضاحي وخدمات الحلاقين والنقل وخلافه.
كل عام وفي كل موسم حج هناك ملاحم وطنية قلما يذكرها الإعلام وتتغنى بها المقالات, من تلكم الملاحم ما يقوم به شباب سعودي غيور على دينة ووطنه بكل ما تحمله كلمة غيور من معاني العزة والكرامة والعمل الدؤوب, إنهم يهرولون هنا وهناك تراهم بين الناس ومن الناس, يدافعون عن الناس وقلما يعرفهم الناس ويشكرون فضلهم, والفضل لله. إن لم ترهم فإنك حتما تلمس خطاهم وترى آثارهم لأن الأثر يدل على المسير. هم جنود بلا جندية ومدنيون بمهام الجيش وتنظيماته وتعقيد عملياته, بل وأعقد من عمليات الجيش. إنهم منسوبو وزارة التجارة في موسم الحج.
إن ما يقوم به هؤلاء الرجال لجعل موسم الحج كما قال الله جل وعلا (ليشهدوا منافع لهم) بدءا من مرحلة التخطيط مرورا بالإعداد وحتى التنفيذ فالتقييم لأمر يدعو إلى التصفيق الحار إعجابا واندهاشا بما يقوم به هؤلاء النخبة. تبدأ اجتماعات التحضير في وقت متقدم جدا لوضع تصور كامل عن الخطة التموينية في الحج لضمان عدم حدوث نقص في المواد الغذائية بجميع أشكالها من المياه وأرغفة الخبز إلى حليب ومستلزمات الأطفال الأساسية إلى الوجبات الخاصة جدا مع دعم المستشفيات والمراكز الصحية والعاملة. ويكفي أن تعرف أن لكل برادة مياه موقعا خاصا بها وكل عربة بيع صغيرة تم جدولتها وكل رغيف خبز تم حصره. إنها مهمة سقاية الحاج العظيمة وما يتبعها من شرف تصدت له المملكة برجالاتها الشرفاء ولا يسلم الشرف الرفيع تراق على جوانبه الدم.
إن وجود ما يقرب من أربعة ملايين إنسان في موقع واحد ينطوي على تحد ما بعده تحد وذلك للحد من ارتفاع الأسعار والغش في السلع. إن وجود هذا العدد الضخم من الناس يشكل عبئا على أكبر الاقتصاديات العالمية بل وتحد عظيم للنظرية الاقتصادية نفسها. كيف يمكن لتجمع مثل هذا أن يمر من غير أن يشكل فرصة لمن أراد أن يصنع ثروة بزيادة الأسعار أو تقديم بضاعة منتهية الصلاحية أو سيئة الصنع أو غير صالحة للاستهلاك الآدمي. نعم إنها دعوة أبينا إبراهيم لربه أن يمد أهل هذا البلد بالخيرات ولكن وجود أربعة ملايين إنسان في نقطة صغيرة من المكان مضافا إليهم التعداد الطبيعي لأهل مكة وطرقهم المعتادة في الاستهلاك وطلب السلع وما يحتاجون إليه من مواد غذائية يدعو إلى محاولة فهم كيف يمر الحج وكل سنة, ولله الحمد, دون الإخلال بكل هذه الموازين ودون حدوث نقص حاد في التموين.
لنأخذ يوم عرفة فقط إنه التجمع الأكبر للحجيج وفي نقطة صغيرة جدا, منهم من تم حصرهم ومعرفة عددهم ومنهم من المخالفين للأنظمة ما لا يعرف مقدارهم إلا الله وهم في هذا التجمع الكبير يحتاجون إلى الماء والخبز وإلى حليب الأطفال وباقي المستلزمات الضرورية لهم جميعا ولباقي الفرق العاملة معهم. هذا الطلب على السلع مع ما يصاحبه من مشكلة توزيع وتحديد الأسعار المرضية لجميع الأطراف ولا شك يهز أكبر الاقتصاديات ويكاد يأخذ بالقلوب والألباب. ومع ذلك فإنك تجد كل تلك الضروريات والعديد من الكماليات ودونما عناء وبسعر الوقت الطبيعي ودون الإضرار بأهل مكة أو القرى المجاورة لها ومتطلبات حياتهم الأساسية والطبيعية. إن حجم الجهد الذي يبذله هؤلاء البواسل في هذا اليوم العظيم يدعو إلى الدهشة, فهم يخصصون مكانا لكل برادة مياه مع حصر الكميات التي لابد من تقديمها وكيفية إعادة دعمها. يراجعون جداول مقدمي الوجبات ويتأكدون من صلاحية الأكل المقدم. بل حتى العربات التي تبيع في ذلك اليوم (البسطات) يتأكدون وبشكل مستمر من صلاحية ما يقدم وتاريخه وسعره. بل يأخذك العجب إذا عرفت حجم وعدد المخابز في مكة أو جدة والتي لديها أوامر بالاستعداد لتقديم الخبز والوجبات في حال حدوث نقص في الإمدادات لأي سبب كان. ومن ذلك ما حدث في موسم حج 1425 عندما أرغم السيل عددا من الحجاج على ترك مخيماتهم وابتعادهم عن مصادر التموين العادية فقامت ملحمة لإيصال التموين والمواد الغذائية إليهم وفي وقت قياسي فعلا ودون الإضرار بباقي الحجيج.
لا أدري إذا كانت النظريات الاقتصادية الحالية قادرة على تفسير ما يحدث للأسعار من ثبات خلال موسم الحج وعدم ظهور سوق سوداء وخاصة فيما يتعلق بالخدمات المساندة التي يحتاج إليها الحجيج في يوم النحر ومنها ذبح الأضاحي وخدمات الحلاقين والنقل وخلافه مما لا يسع المقام لذكره أم أن علينا كتابة اقتصاديات الحج كنظرية مستقلة قد تقود العالم إلى فكر أوسع حول إدارة التجمعات واقتصادياتها.
لا بد من التوثيق وإبراز هذا الجهد الجبار إلى العالم على شكل أفلام وثائقية وإعداد مركز معلومات للحج يمكن الوصول إليه وإلى بياناته عن بعد لتكتمل عناصر بناء نظرية عن اقتصاديات الحج. وليس توثيق إنجاز مبنى وادعاء نظرية لذلك أو اكتشاف سر سقوط طائرة بأهم من توثيق إنجازات الحج.