رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الثروة السعودية: التعليم

في المدى الطويل العامل الحاسم اقتصاديا هو سباق الإنتاجية والإبداع بين اقتصاديات الدول. جوهر الإنتاجية وصانعها هو التعليم وهنا نقصد التعليم بالمفهوم الواسع وليس تعليما تكون فيه الشهادة والرتابة البيروقراطية الناتجة عنه هي المقياس. في هذا المضمار يتضح أحد أهم الاختلافات بين مجتمعنا ومجتمعات الدول الأكثر إنتاجية وأكثر تقدما اقتصاديا. علينا التعامل مع هذه الاختلافات لكي نلحق بالركب, ليس بالمال وحده تحل مشاكل التربية والتعليم فهذه أعمق ولكن المال دائما عامل مؤثر جدا وقد يكون حاسما إذا تم توظيفه بكفاءة وحنكة.

أحد أهم النواحي هو البعثات التعليمية للخارج, استفاد آلاف الطلاب السعوديين وسط عقد السبعينيات ولغاية بداية الثمانينيات لندخل بعدها فترة جفاف كانت مؤلمة للتعليم وإيجاد الكوادر المؤهلة. فالذين تم ابتعاثهم في ذات الوقت يقتربون الآن من سن التقاعد وهناك فجوة في الكادر التعليمي في الجامعات, سوف تعاني الجامعات لفترة تمتد إلى سنوات, نظرا لأخطاء كانت واضحة المعالم لكل من حاول التحدث مع أي أستاذ جامعي في المملكة.
الغرض من الابتعاث يتعدى ملء الوظائف التعليمية, فنحن ما زلنا في حاجة ماسة إلى رفع الكفاءات العلمية والفنية من ناحية, ومن ناحية لا تقل أهمية فنحن في حاجة إلى اقتباس الفكر المنهجي العلمي واستيعابه لتوطينه. وهذه عملية بطيئة ولذلك لا تحل بالتحمس للبعثات فترة ثم إيقافها فترة أطول. زرع الفكر المنهجي العلمي وتلاقح الفكر يجب أن تتضافر الجهود لإنجاحه بدءا من وزارة المالية ومرورا بالجهات الحكومية الأخرى, فالموضوع ومركزيته في المجتمع وإنتاجية الاقتصاد أكبر وأهم من تبويب جداول الميزانية.
الثروة تساعد في جزئية أخرى لتفادي بعض عيوب الابتعاث في الماضي, علينا التمييز بدقة أكثر بين الجامعات والأقسام ومن يستطيع أن ينشر بحثا في النشرات العلمية المتخصصة. فمثلا هل طالب الاقتصاد الذي سوف يعلم اقتصادا درس النظرية الاقتصادية وتعمق فيها, أم تخصص في خطط التنمية السعودية أو نواح أخرى أقل دقة وقابلها أكثر للتأويلات. أو من تم ابتعاثه لدراسة الرياضيات, وإذا به يحصل على شهادة الدكتوراه في كيف تعلم الرياضيات. الإدارة الجيدة لهذه البرامج يجب أن تكون واعية وأكثر دقة وأن ترشد الكفاءات المالية طبقا لهدفها لخدمة التعليم في المملكة وليس في عدد الشهادات والمسميات.
المراقب للاقتصاد السعودي يلاحظ طفرة أخرى أهم معالمها سوق الأسهم. هناك عدة بيوت مال تجارة سعودية استطاعت زيادة ثروتها في السنوات القليلة الماضية بأكثر من مليار دولار والبعض بعدة مليارات من الدولارات. الكثير من جامعات الولايات المتحدة الأمريكية الرائدة أسست من قبل كبار العائلات التجارية والتي رأت أن تسدد للمجتمع بعض الجميل والوفاء واقتناعا منها بمدى حاجة المجتمع الأزلية لرفعة التعليم, فهذه أسست جامعات كثيرة منها ميلون, فاندربلت وستانفورد وغيرها من الجامعات الرائدة. كما أن خريجي هذه الجامعات من القادرين ما زالوا ينفقون أموالا على الأبحاث والمراكز العلمية التي تخلد ذكراهم. فكل جامعة رئيسية في الغرب لديها مليارات الدولارات لتمويل تقدمها.
الظاهرة الأكثر غرابة في مجتمعنا هي أن البعض من رجال الأعمال في بلادنا يدفع الملايين للمساعدة في تمويل جامعات في الغرب. فأحدهم موّل تأسيس كلية إدارة أعمال في جامعة بريطانية رائدة بمبلغ يزيد على 100 مليون ريال, وآخر في جامعة بوسطن وغيرهم كثير تحت أنصاف الأسباب. ولكنهم لا يفعلون ذلك في بلادهم, هل هي أزمة ثقة بالنفس؟ أم أن هناك أسبابا لا نعرفها؟ أم أن الجامعات السعودية تُدار من قبل بيروقراطيين لا يعرفون كيف يسوقون ما لديهم من قدرات أو أن ليس عندهم ما يستطيعون إقناع الآخرين به؟ وهل لهذا أو ذاك علاقة في إدارة برامج الابتعاث؟
يتطلب توطين أساليب الفكر المنهجي في مجتمعنا جهدا مضاعفا, ولعل أحد السبل هو التعاون مع الجامعات والمعاهد المتخصصة في الخارج لفتح فروع لها في المملكة, قد تكون هناك بعض العوائق الاجتماعية لهذا التعاون من المنظار التقليدي ولكن خسارة المجتمع من الحد من فرص التعليم أفدح, فعلينا الاختيار وفهم المخاطر المترتبة على قراراتنا المجتمعية. أخذت بعض دول المنطقة بهذا النهج ففي مصر هناك جامعات كندية وألمانية وأمريكية وغيرها, في دول الخليج هناك عدة أمثلة لعل أبرزها تعاون كلية الطب في جامعة كورنيل مع قطر. هذا كان مثالا مكلفا ماليا ولكنه اقتصاديا مربح في المدى الطويل, ولعلنا نستثمر ماليا لكي نستفيد اقتصاديا.
حجم مسؤولية التعليم يحتم علينا جهدا مضاعفا في كل النواحي الثلاث الآنفة الذكر. ويجب أن نحقق اختراقات هنا وهناك حتى تصل الحياة الأكاديمية والعملية إلى مستوى يستطيع تجديد نفسه من نشر بحوث ودخول ميادين السباق العلمي والمساهمة في الحياة المجتمعية ومنها الاقتصادية. وتستطيع الأوساط العلمية اكتشاف الضعفاء ونبذهم لإعادة تأهيلهم لخدمة أفضل للمجتمع.

[email protected]

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي