الضمان الاجتماعي والبطالة
تأسيس الضمان الاجتماعي في بداية الستينيات كان ضمن مجموعة من الإصلاحات تبنتها الحكومة السعودية، وهي بلا شك جاءت مبادرة لمواجهة متطلبات مرحلة جديدة وتغيرات وتحديات كانت تمر بها آنذاك. فتزايد عدد السكان وخاصة في المدن وارتفاع نسبة التعليم بين المواطنين, وتحول الاقتصاد من تقليدي حرفي زراعي رعوي إلى أكثر تطورا تقنيا وصناعيا في معظم قطاعاته, والارتقاء بمستوى الخدمات العامة كما ونوعا وما استلزم من إنشاء وزارات وإدارات حكومية جديدة, والتوسع في القطاع التجاري وزيادة عدد البنوك والشركات, إضافة إلى ما كان يجري من أحداث دولية وتغيرات اقتصادية وسياسية، شكلت أوضاعا جديدة بدأت ملامحها تظهر جليا وتنبئ عن مرحلة جديدة تتطلب قرارات وسياسات حكومية تتصدى لتلك المتغيرات وتعالج مشاكلها. هذه التحولات أفرزت عدة ظواهر اجتماعية واقتصادية كان من بينها ظاهرة الفقر والتفاوت الطبقي في المجتمع. وهي ظواهر متلازمة مع المجتمع الحضري الصناعي فكلما زادت نسبة التحضر والتطور الصناعي اتسعت الهوة بين الأغنياء والأقل حظا. من هنا كان قرار الحكومة إنشاء الضمان الاجتماعي ضمن حزمة من الإصلاحات التي أقرتها في ذلك الوقت قرارا حكيما يتصدى لمعالجة المشاكل الطارئة والمستجدة التي لم تعهد من قبل.
مفهوم الضمان الاجتماعي كان ومازال مقتصرا على مساعدة الفقراء والمعوزين والمنكوبين من كبار السن والأرامل، وهو بلا شك دور مقدر وعظيم. وعلى الرغم من أن المعونات المالية المصروفة ظلت تتضاءل أمام ارتفاع مستوى المعيشة وتزايد معدل التضخم مع مرور الوقت، إلا أن ذلك لم يقلل من التأثير الإيجابي لتلك المساعدات في رفع المعاناة عن الكثيرين أو على أاقل تقدير التخفيف منها. بل إن تأثيرها الإيجابي يتعدى المنفعة المباشرة للمحتاجين إلى تأثيرات اجتماعية واقتصادية غير مباشرة. فالضمان الاجتماعي آلية تسهم في زيادة الطلب العام وتحفيز الاقتصاد وإعادة توزيع الدخل وتحقيق الرفاهية الاجتماعية والتقليل من الآثار الجانبية للفقر المتمثلة في سلوكيات اجتماعية خاطئة في مقدمتها الجريمة والسطو المسلح والمخدرات. وحسناً فعلت حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بإقرار زيادة مخصصات الضمان الاجتماعي لتتناسب مع حجم مشكلة الفقر وارتفاع مستوى المعيشة. القرار بلا شك يأتي منسجماً مع المعطيات الراهنة وتزايد الأعباء المعيشية والمتطلبات الحياتية.
هذه المساعدات التي كانت تبذل للمحتاجين وتساعدهم على مواجهة ظروفهم الحياتية الصعبة استمرت طوال ما يقارب 40 عاما مضت تقتصر على المعوزين من كبار السن والأرامل فقط. ذلك أن عوامل وأسباب الفقر في المراحل الأولى من إنشاء الضمان الاجتماعي تعود في الغالب لكبر السن والعجز أو فقدان العائل أو التعرض لكوارث طبيعية. في تلك المرحلة لم تكن ظاهرة البطالة بتلك الوضوح، بل إن عقد السبعينيات من القرن الماضي شهد نقصا شديدا في الكفاءات الوطنية, بل شح يقابله طلب كبير في سوق العمل لدرجة أنه كان يشترط على خريجي الجامعات العمل في الأجهزة الحكومية مدة لا تقل عن مدة دراستهم في الجامعة، وكان على من رغب العمل في القطاع الخاص أن يدفع مبلغا كبيا من المال نظير إخلاء طرفه وإعفائه من الوظيفة العامة الإلزامية! فقد كانت السعودية تمر بتجربة فريدة من نوعها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تلك الفترة، اتفق على تسميتها الطفرة الاقتصادية. فقد زادت العائدات أضعاف مضاعفة نتيجة ارتفاع أسعار النفط ارتفاعا حاداً في السوق العالمية. على أثر ذلك تبنت الحكومة خطة تنموية طموحة تمثلت في زيادة الإنفاق الحكومي خاصة في قطاعات الإنشاءات العامة والبنى التحتية والخدمات الحكومية، ما أدى إلى ارتفاع مطرد وكبير في الطلب على العمالة.
هذا الوضع لم يدم طويلا، بل انقلب رأسا على عقب في منتصف الثمانينيات نتيجة متغيرات داخلية وخارجية. فقد تفشت ظاهرة البطالة بشكل ملحوظ في أوساط خريجي التعليم العام والعالي. وأصبحت أعدادهم تتزايد في مقابل ثبات الهيكل الاقتصادي والنمط الصناعي وبالتالي عجزه عن استيعاب العمالة خاصة ذات التأهيل العالي. يمكن إرجاع ذلك للظروف التي سادت المنطقة واشتعال فتيل حربي الخليج الأولى والثانية وما صاحبهما من استنزاف كبير لخزانة الدولة في مقابل انخفاض في العوائد النفطية وتراجع في النمو الاقتصادي.
ما أرمي إليه من هذا السرد لحال الاقتصاد (الذي يعرفه الكثيرون) هو التأكيد على نقطة في غاية الأهمية وهي أن الاقتصاد توسع وسجل نموا سريعا في فترة قصيرة أعقبه بعد ذلك وبشكل مفاجئ انحسار وانكماش أدى إلى حالة من عدم التوازن تسبب على أثره في كثير من المشاكل وظهور قضايا لم نعهدها من قبل وأُخذنا على حين غرة ولم نكن مستعدين لها، بل لم يدر في خلد أحد أن بعد الطفرة والرفاهية بل الوفرة الاقتصادية أن نواجه النقيض تماما ومن ثم اتباع سياسات الترشيد والتقشف.
لذا ثمة حقيقة يجب إدراكها أن المجتمع لم يعد كما كان في بدايات الستينيات ولا السبعينيات. وبات من الضروري أن نعيد التوازن للاقتصاد عبر استراتيجيات تتصدى للمعطيات الجديدة وتحقق معدلات نمو تتناسب مع معدل النمو في سوق العمالة . بل وهذا بيت القصيد أصبح من الضروري استحداث آليات ووسائل جديدة وتطوير أخرى، لمواجهة هذه المشاكل والقضايا المستجدة. فلم يعد من المجدي استخدام تلك السياسات في العقود السالفة لأن طبيعة المشاكل ودرجة تعقيدها اختلفتا. من هنا يجب تغيير مفهوم الضمان الاجتماعي ليتناسب مع المستجدات والتغيرات في الاقتصاد الوطني. تغيير يتيح الفرصة لجعل الضمان الاجتماعي محفزا على العمل وفي ذات الوقت يضمن الحياة الكريمة لمن تعثر حظه ولم يتسن له العمل. ولذا كان لزاماً في هذا السياق التأكيد على تعريف البطالة بأنها تطلق على: "كل شخص بلغ الثامنة عشرة وما فوقها ويسعى سعيا حثيثا وبكل السبل للحصول على وظيفة ولم يحالفه الحظ". هذا الشخص يكون مستحقا للمساعدة "المؤقتة" لحين يجد وظيفة. وفي حال هُيئت فرصة العمل ولم يقبلها دون سبب، تُوقف عنه الإعانة المالية. لم يعد بالإمكان اقتصار الإعانة المالية على العجزة من المسنين والأرامل أو أصحاب الاحتياجات الطارئة ممن ابتلوا بالكوارث الطبيعية أو قدر عليهم هلاك ممتلكاتهم بسبب حوادث الحريق أو غيرها, فإضافة إلى ذلك، هناك مشكلة واضحة يجب التصدي لها وهي أن البحث عن عمل قد يستغرق وقتا لحين الحصول عليه، وبالتالي يحتاج الشاب الباحث عن العمل إلى ما يعينه على تكاليف الحياة في هذه الفترة المؤقتة. هذا بطبيعة الحال يستلزم نظاما لإدارة وحفظ واسترجاع المعلومات على قدر كبير من الكفاءة والفاعلية بحيث يتم ربط جميع القطاعات الحكومية والخاصة وعموم الناس بالنظام. وتتاح الفرصة للجميع لإدخال البيانات وبالتالي تتكون لدينا قاعدة بيانات نستطيع التعرف من خلالها على المستحقين ومتابعتهم، تسجيل تاريخهم الوظيفي، أدائهم، مدد مكوثهم في تلك الوظيفة، أسباب تخليهم عنها، ولماذا يرغبون في البحث عن أخرى. بهذا نكون على دراية واضحة بحقيقة الوضع وبالتالي اتخاذ القرارات الصائبة ووضع السياسات الناجعة التي تمكن من معالجة البطالة ليس فقط بشكل دائم ولكن في حالتها المؤقتة الانتقالية. وإلا لا أحد ينكر الجهد المبذول لمعالجة قضية البطالة في المدى الطويل بتوفير فرص العمل من خلال المشاريع الاقتصادية الحكومية التي كان آخرها مشروع مدينة الملك عبد الله الاقتصادية, التي تمثل مبادرة في الاتجاه الصحيح نحو اقتصاد منتج يوفر الوظائف ويدعم نمو وتطور الاقتصاد الوطني.