رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاقتصاد والسياسة العمالية: محدودية دور الوزارة

إذا أردنا الحديث عن السياسة العمالية والاقتصاد فلا بد من النظر إلى سوق العمل كأي سلعة اقتصادية تخضع للعرض والطلب. هذا الإطار العام يقابله حقيقة أن الإنسان هو الهدف والوسيلة معا لأي برنامج اقتصادي. هذا التداخل يعقد عملية صنع القرار على المستويين النظري والعملي. بالنسبة للإطار العام فالطلب واضح في كون حجم اقتصاد المملكة يطلب عمالة من كل سلم القدرات المهنية, العرض يأتي من العنصر الوطني والعنصر الأجنبي المتحفز والمقبول اقتصاديا مع عملية فرز يتصعب قراءتها من خلال عملية التستر وضعف القياس وعدم خدمة التعليم للمرحلة الاقتصادية والتشوهات في ساعات العمل. ليس هناك خلاف في الخطوط العريضة للسياسة العمالية؛ حيث إن المملكة تعاني من بطالة, ولكن أي بطالة؟ فهناك الكثير من الأجانب في جميع أنواع المهن التي الكثير منها لا يتطلب مهارة ولا حتى درجة من التعليم المتقدم في أغلب الوظائف. الإشكالية تقع في تسخير القوى العاملة السعودية فيما يخدم هذه المرحلة الاقتصادية.
التعامل مع قضايا سوق العمل صعب للغاية ليس لأن الإنسان هو الهدف والوسيلة في آن واحد فقط ولكن عمليا تسخير الإنسان العامل المنتج يتعدى حدود الآلية التي لدى وزارة العمل, فالوزارة لديها تقنيات معينة (كنسبة معينة في هذا أو ذلك من المهن) وهذه قد تكون صائبة ولكنها سرعان ما تصدم بحدود هذه الآلية, خاصة أن الكثير من هذه التقنيات في الكثير من الأحيان لا ترتقي إلى فهم اقتصادي بل هي في الغالب إدارية ومبنية على رغبات وطنية وحتى عاطفية دون وعي بما يحرك الناس اقتصاديا. هذه القرارات الإدارة عادة تبدو وكأنها صحيحة ولكن سرعان ما نجدها تحد من الاستثمار وتزيد التكلفة على المستثمر.
نظرا للتنويع والتعقيد؛ لن تنجح سياسة عمالية تعامل الجميع بالمثل مهما كانت جاذبية وعدالة المعاملة بالمثل لأنها لا تتماشى مع المنطق الاقتصادي الذي يحكم جزئيات سوق العمل, إضافة إلى ذلك صعوبة التنفيذ وخاصة إذا لم يرتبط بتكاليف تسهل جبايتها.
ولما للموضوع من أهمية دعنا نوضح مثالا على ذلك؛ فالمستثمر السعودي يتفق مع إحدى الشركات الكبيرة التي عادة ما تكون غربية أو آسيوية لبناء مصنع ثم نجد هذه الشركة تسند بعض المهام في الإنشاءات والأعمال الكهربائية والميكانيكية إلى مقاول سعودي (من الباطن), حيث إن العمالة هي العنصر الأساسي من التكلفة في هذه الجزئية من إنشاء المصنع. هذا المقاول السعودي يبدأ من الدخول في مساومة مع موظفي وزارة العمل على عدد ما يستطيع الحصول عليه من عدد العمالة. النتيجة أن وزارة العمل رفعت التكلفة من نحو 40 ريالا للساعة الواحدة للرجل إلى نحو 55 ـ 60 ريالا بسبب لجوء المقاول إلى ساعات أطول مستخدما عمالا أقل. المحصلة الأخيرة هي أننا رفعنا تكلفة الاستثمار في اتجاه معاكس ليس لسياسة حكومية تحاول جذب الاستثمار إلى المملكة فقط, بل إداريا دخلنا في نزاعات داخلية بين جهات حكومية أخرى (وزارة الداخلية في ملاحقة المتخلفين, هيئة الاستثمار..), وهذا يكلفنا جميعا الكثير من الوقت والجهد والطاقة.
مثال آخر على التعامل مع هذا الموضوع الصعب هو خدم المنازل عامة, وللاقتصاد وقفة للتعامل مع هذه القضية فمن منا ليس لديه عامل أو أكثر في المنزل, البعض يرغب في أكثر ولكن وزارة العمل تسأل وتمنع بناء على "تقدير" اجتماعي, ولكن لماذا لا نغير المعادلة إلى السماح بناء على التكلفة (تسعيرة مدرجة للخدمة)؛ فلتكن تكلفة العامل الأول كما هي الآن ولكن التكلفة تكون في تصاعد, فالعامل الثاني ضعف التكلفة والعامل الخامس عشرة أضعاف التكلفة والفرق في هذه العوائد يذهب إلى صندوق خاص للتعليم والتدريب. هناك طلب وحاجة ولكن الآلية المتبعة لا تخدم المملكة, قد يقول قائل إن هناك صندوقا لتنمية الموارد البشرية ولديه فائض, الرد يأتي في فتح آفاق أخرى للتعليم والتدريب من ناحية, ومن ناحية أخرى الوعي بأن الوفرة المالية لا تستمر وخاصة أننا نعتمد أساسا على دخل النفط المتأرجح دائما. فمن يضمن استقرار أسعار النفط, وحتى لو استقرت فنجد أنفسنا تكفينا مع هذا المستوى من الدخل, فكل موظف صاحب دخل محدود يعرف أن حياته تتكيف مع مستوى دخله.
لعل أفضل السبل إلى خدمة المملكة أن تكون السياسة العمالية عقلانية فقط (اقتصادية) بل هذا التصرف سوف ينسحب على التصرفات الاقتصادية عموما ـ الإنسان هو وسيلة وهدف التنمية. وبهذا نكون قد أنجزنا الكثير, يبدو أن طاقم وزارة العمل يحاول بذل بعض الجهد ولكن من الواضح أن هناك قلة في الكوادر المؤهلة وضعف في الرؤية الواضحة لسياسة عمالية.
لا تسعى هذه المقالة إلى حل هذه الإشكالية ولكنها تسعى إلى طرح بعض الأفكار وتحفيز صانعي السياسة العمالية إلى التفكير بشمولية أكثر واستخدام تسعيرة الخدمة لإيضاح البعد التنموي بما يخدم السعودة في المدى البعيد.

[email protected]

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي