رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


كأن صديقا يحدثنا

لطالما تساءلت, منذ أدهشني ديل كارنيجي في يفاعتي بقدرته على شحن اللذة الفوارة للحياة في كتابيه "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس" و"دع القلق وابدأ الحياة": ما سر المتعة والانجذاب من مختلف الناس لهذين الكتابين؟ لكن بعد صدور كتاب "العادات السبع للناس الأكثر فعالية" لستيفن كوفي, وكتاب "البحث عن التميز" لتوم بيترز, وفيض الكتب المماثلة التي أصبحت تملأ واجهات المكتبات, وكلها تصب في مجرى علم النجاح الأمريكي الصنع بالدرجة الأولى, أعدت السؤال بصيغ أخرى: لماذا يتهافت الناس على هذه النوعية من الكتب بالذات؟ ما مدى تأثيرها فيهم عمليا؟ هل استطاعت فعلا أن تعيد صياغة قرائها وتضعهم في عربة المهارات الناجحة والأخلاقيات السامية أو أن تجلب السعادة والمسرة إلى دنياهم؟
ألا يكشف تهافت الناس على هذه النوعية من الكتب عن حزن أبكم رابض في أعماقهم يدفعهم نحوها بحثا عن خلاص منه؟ أم أنهم بحاجة إلى عزاء من قساوة الظروف وقلة حيلتهم معها؟ ألا تقوم هذه الكتب بتدليك توترنا النفسي وتطعمنا طمأنينة مؤقتة عبر إدماجنا مع غيرنا ممن يرزحون تحت ثقل أعباء مماثلة؟ ألا تعمل على تعميم الإحساس بالكدر والعذابات النفسية؟ فتراوغنا لكيلا نبدو نشازا لتجعلنا مستسلمين لمثلنا الشعبي "موت مع الجماعة رحمة"؟!
هل تنجح هذه الكتب فعلا في إنجاز المهمة وتجعلنا نحقق ذواتنا ونبرأ مما نعانيه؟ سأكون مجازفا وأقول إنها تنجح بنسبة عالية في مهمتها لدى الشعب الأمريكي فقط, لأنها تنطلق بالأساس من خصائصه الاستثنائية فهو مزيج من المغامرة والجسارة والتحدي. نزاع للحرية والثروة والنفوذ والقوة, تواق للتفرد والاستقلالية, ذهنية بضة جديدة لا يثقلها تاريخ ولا تراث ولا تكبلها أغلال العادات والتقاليد. هجر ماضيه على الشاطئ الآخر وهو يبحر للأرض الجديدة. الأخلاق والمثل والقيم ليست عنده تجليات مجردة ولا مثاليات بل هي موزونة بالمنفعة والثروة والنفوذ والقوة والثبات في المواجهة. لذلك تتساقط كلمات ديل كارنيجي وستيفن كوفي وتوم بيترز وغيرهم من إخصائيي علم النجاح على الأمريكيين رطبا جنيا, لأن فيها طعم عراكهم العائد إليهم عبر خبرة جديدة هم دائما الأكثر بحثا عنها.
أما نحن فظني أن نسبة تأثيرها فينا متدنية. إنها تنجح فقط في غطسنا, إلى حد كبير, في بحيرة الحنين التي تقطِّرها لنا كلماتها الأنيقة, أو تنفخ هاماتنا بوهج الشعر والأخيلة الأخاذة. تضع القمر في اليمين والشمس في الشمال. توهمنا بالقدرة على أن إكسير النجاح يسير المنال وإننا على حافة الفردوس, مفتاحها قذف به إلينا المؤلف بين دفتي هذا الكتاب الذي نقرأ.
هذه الكتب فيها كثير من الزعم والاتجار والإيهام. عزف على أوتار الرغبات وتملص عن المواجهة العميقة مع مشاكل القدرات, الملكات, الظروف, والطبائع البشرية المختلفة. إنها كتب تسعى في الغالب إلى تنميط وتوحيد مصطنع للأمزجة تحت سقف الكلمات التي تخطب ودنا من باب أنانياتنا وغرائزنا أحيانا, لا من باب مَن نحن؟ مَن نكون؟ بما نشعر؟ وما نقدر عليه؟
مع ذلك لا أرمي إلى التقليل من شأن هذه الكتب وأهميتها, فهي على الرغم مما ذكرت, تقوم بتوسيع لياقاتنا الذهنية. تجعلنا نقترب أكثر من العالم. تخفف من مغالاتنا البشعة بخصوصيتنا. وهي إن لم تنجح في تبليغ رسالتها فينا, فهي تمنحنا فرصة للتأمل وزادا للمعرفة وتمنحنا أيضا لحظات سعادة قراءتها؛ كأن صديقا يحدثنا بحميمية عن رحلة شائقة!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي