رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


"الهوامير" والبنوك والشيكات دون رصيد .. مَن المسؤول؟

في أحد الأيام وعندما كنت في بقالة صغيرة في إحدى ضواحي لندن استوقفتني الدهشة عندما قام أحدهم بإخراج دفتر الشيكات ليسدد قيمة مشترياته, حينها قلت في نفسي سيرفض البقال ويطالبه بالتسديد نقدا لكن ذلك لم يحدث. ببساطة قبل الشيك ولم يدر حديث بينهما حول الرصيد أو ما شابه ذلك, أخذ الرجل بضاعته وخرج وأنا غارق في تأملاتي. عندما تقوم بزيارة المملكة المتحدة البريطانية تدهشك القوة القانونية للشيك. يمكنك الشراء بواسطة الشيك من أي مكان تقريبا حتى من مجرد بقالة صغيرة. فقط اخرج دفتر شيكات رسميا وقدم بطاقة التعريف البنكيةcheque guarantee card ثم وقع الشيك أمام صاحب المحل وخذ بضاعتك واذهب. نعم هكذا وبكل بساطة لن يسألك أحد عن رصيدك, المهم أن المبلغ ضمن الحد المقرر لبطاقتك البنكية. استغرب دوما لماذا الحال مختلفة جدا لدينا على الرغم من وجود نظام بنكي متطور. ذهبت بهذا السؤال الذي حيرني إلى أحد التنفيذيين الكبار في أحد البنوك العريقة في المملكة فقال إننا سبقنا العالم وتجاوزنا الشيك إلى بطاقة الصرف الآلي ثم إلى البطاقة الائتمانية. لم اقتنع بالإجابة, خاصة كلما سمعت عن هروب موظِفي الأموال "الهوامير" تاركين خلفهم آلاف الشيكات دون رصيد.
حقيقة أنا لا أثق في الشيك ودوما قلق حتى أتمكن من صرفه ولا أحب أن تدفع لي أي مبالغ بالشيك. ليس هذا شعوري وحدي بل شعور الكثير من الناس فلماذا؟ للإجابة عن هذا السؤال يكفي أن تعرف ماذا يحل بمن أُسقط في يده وأخذ شيكا دون رصيد عن بضاعة أو خدمات أو مبالغ نقدية قد قدمت أو سلمت بالفعل. عليه تقديم استدعاء إلى وزارة التجارة أو للغرف التجارية التي تستدعي الطرفين لمحاولة الإصلاح؟! قد يبت في الموضوع وقد لا يصدر الحكم بسرعة مع مماطلة المدعى عليه وتطول المسألة.
قبل تقديم ما في جعبتي أتساءل: لماذا تعطي البنوك دفاتر شيكات إلى عملائها؟ ما الفرق بين ورقة الشيك وورقة السحب النقدي الموجودة على أرفف البنوك؟ بل ما الفرق بين الشيك, في وضعه الحالي لدينا, وأية ورقة يأخذها صاحب الحساب ويكتب عليها ادفعوا للمذكور مبلغ كذا من حسابنا رقم كذا ويمهرها بتوقيعه المطابق لما لدى البنك؟ لماذا تجهد البنوك خزانتها لطباعة آلاف النسخ من هذه الأوراق عديمة الفائدة (في حال عدم وجود رصيد بالطبع). إن كان المقصود إثبات الحق لإقامة الدعوى فلا فرق بينها وبين أية ورقة دين أو وصل أمانة عادي عمليا, ولدي على الأقل لا فرق على الرغم من الاختلافات الشكلية والنظامية.
ما هو الشيك؟ يعرف الشيك بأنه ورقة تجارية واجبة الدفع حال الاطلاع. ويقر نظام الأوراق التجارية السعودي في المادة رقم 102 بأن الشيك مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع عليه وكل بيان مخالف لذلك يعتبر كأن لم يكن. وتنص المادة رقم 108 من النظام بأن لحامل الشيك الحق في الرجوع على الملتزمين به, مجتمعين أو منفردين. هذه النقطة بالذات هي مدار هذا المقال ومحل الجدل فيه. من أصدر دفتر الشيكات ويدعي ملكيته وله الحق في استرداده, من سلم هذه الأوراق الخطرة لمن هب ودب ليمارس خداع وتضليل واستغلال الناس بها. لا شك أنه البنك نفسه, فهو الذي أصدرها وهو الذي ادعى قدرته على الدفع حال الاطلاع وهم الذين زينوا لنا هذا الأسلوب, والآن وبكل بساطة يمارسون وعلى الملأ سياسة غض الطرف و الهروب الواضح من مسؤولياتهم.
عندما يقدم أيا كان ورقة تدعى الشيك فإن من المفترض أن هذه الورقة مضمونة عن طريق البنك الذي أصدرها ويدعي ملكيتها. لا معنى للشيك المصدق ولا فرق بينه وبين الشيك العادي إلا رغبة البنوك في التنصل من المسؤولية وعدم تحمل المخاطر.
في البلاد ذات النظم المالية المتطورة تمارس البنوك دورها الاقتصادي بكل جدارة وتشارك الناس المخاطر بل وتتحملها عنهم في بعض الأحيان ومن ذلك الشيكات دون رصيد. من الذي يعرف من له حق التوقيع على الشيك ومن الذي يعرف وضعه المالي وعنوانه وأرصدته التي على أساسها سلمه كل تلك الأوراق؟ إنه البنك. من يملك القدرة على المطالبة والوقت للمتابعة ورفع القضايا القانونية؟ إنه البنك وهو الأجدر بذلك. كحامل للشيك لا يهمني إلا البنك الذي أصدره وحسب. لأنه كان ضامنا له وهو وبنص المادة 108 ملزم أمامي بالتسديد ولا أرى تفسيرا للمادة يخالف ذلك إلا محاولات إخراج البنوك من الصورة.
إن من يزر البلاد الأكثر تطورا في النظام المصرفي يعرف إلى أي درجة تحول هذا النشاط لدينا من أكثر الأنشطة عرضة للمخاطر (المحسوبة بدقة طبعا) إلى أكثرها أمانا مع أرباح احتكارية ضخمة تعلن عنها البنوك سنويا ومع ذلك ترفض استقبال شيك قامت هي بطباعته وتسليمه لمن لا يرعى حقه. تستهتر البنوك بعملية إصدار الشيك وتقنينه وتطوير أنظمة رقابية جيدة على حال مستخدمي الشيكات ثم تدعي أنها تقدم خدمات بنكية رفيعة المستوى.
لقد سهلت الحكومة كل شيء للبنوك كيما تستطيع استرداد حقوقها كاملة فلا مفر إذاً من أن تمارس مهامها التي يقتضيها شرف هذه المهنة . البنك مسؤول متضامن عن الشيك ولا بد أن بدفع الشيك لمستحقه حال الاطلاع كان هناك رصيد أو لم يكن. على البنوك أن تطور أدواتها الرقابية أكثر وأفضل وأن تدرس ما لدى الآخر من أساليب استطاع من خلالها أن ينجح ويقدم خدمات أفضل.
عندما يستلم أحدهم شيكا ويعرف أنه سيصرف لا محالة سوف تنتهي هذه القضية تماما. عندما يعرف من وقع الشيك أنه سيصرف وسوف يصبح حسابه مكشوفا وعرضه للغرامات الهائلة والتكاليف الباهظة وأن البنك يستطيع تجميد جميع أرصدته في جميع البنوك ويضعه في القائمة السوداء ويمنعه من السفر فلا مجال للتلاعب مع البنك. عندما يصدر أحدهم شيكا دون رصيد وهو يعرف أن راتبه سوف يسحب بالكامل نظير الوفاء بهذه الالتزامات فإنه سوف يكون شديد الحذر وبذلك ينعم المجتمع بالأمان ويهدأ الصداع.
من الأنظمة الرقابية المستخدمة في ذلك أيضا عدم جواز صرف الشيك نقدا بل لا بد لحامل الشيك أن يكون لديه حساب مصرفي في البنك أو في أحد البنوك المحلية الأخرى هذا بالطبع سيساعد على متابعة الأموال وتحركاتها واكتشاف الغش ومسبباته ويضمن لكل ذي حق حقه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي