الشركات العائلية: النموذج السعودي
أحد مفاصل الاقتصاد السعودي هو الحجم والدور الذي تقوم به الكثير من الشركات المملوكة من قبل عائلات تجارية واستثمارية في بعض الصناعات والأعمال الأخرى. هذه السمة من الاقتصاد مهمة جدا لأنها الجزء الرئيسي في القطاع الخاص على حساب الشركات المساهمة مثلا؛ وذلك أن االشركات المساهمة تتميز بوضوح المسافة بين الملاك والإدارة بالإضافة إلى قدرتها على التوسع من خلال المرونة في قدرتها على زيادة رأس المال, بينما في الشركات العائلية تكون المسافة أقصر بكثير وفرصتها في زيادة رأس المال من الأسواق العامة أقل.
هناك عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وقانونية تؤثر في كل مجتمع اقتصادي لكي يغلب هذا النموذج أو ذاك. فمثلا كما ذكر فرانس فوكوياما, أن هناك مجتمعات يغلب على طابعها الثقة بين الأفراد كالثقافة الأنجلوسكسونية (أمريكا وبريطانيا وحتى اليابان) فتجد الشركات المساهمة هي الغالب, بينما في مجتمعات يكون فيها مستوى الثقة أقل مثل الصين أو دول أمريكا اللاتينية فتجد أن الشركات العائلية هي النموذج السائد وهذه السمة تجعل من الصعب قيام دور للمهنيين من غير العائلة في الكثير من هذه الكيانات.
يا ترى هل المجتمع السعودي من هذا أو ذاك؟ هناك قرائن في المجتمع عموما وخاصة المعاملات التجارية لتصنيف المجتمع على أنه من يثق ومن لا يثق, ولكن في الغالب أن المجتمع السعودي من النوع الذي لا يثق وإن كانت طبيعة المجتمع في تكوينه الأول يغلب عليها طابع الثقة بين أفراد المجتمع, إلا أن هذه السمة الطيبة قد تكون تأثرت سلبا مع مرور الوقت.
يقوم النموذج العائلي أساسا على فرد أو فردين (عادة إخوة) من أصحاب المبادرة والطموح التجاري, هذا المؤسس عادة ما يتسم ببعد النظر والانضباط والحرص على كبح التكاليف والاستهلاك. الكثيرون بدأوا بدكان صغير أو وكالة تجارية صغيرة أو أكثر وبنو عليها في الغالب أفقيا من خلال وكالات أخرى دون تعمق في المجال نفسه؛ فليس هناك ما يسميه الاقتصاديون عوامل الربط, أي ليس هناك في الغالب توجه إلى التجميع ثم زيادة المحتوى الصناعي تدريجيا. إلا أن هذا النمط التقليدي ليس قابلا للتطوير فالبعض أخذ به وحقق بعض النجاحات هنا وهناك دون قوة دفع ونجاح مذهل إجمالا, الغالب أن هناك توسعا أفقيا حيث الرهان على المصيدة نفسها التي أثبتت نجاحها.
اقتصاديا؛ يبقى البعد الإداري وقدرة الكوادر الإدارية على التكيف وقدرتهم على إضافة القيمة والقدرة على خلق الروابط في الاقتصاد.
تحدي انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية واستحقاقات مرحلة النمو تتطلب من هذه الكيانات التكيف والعمل سريعا على تغيير نظرتها إلى تحديات المستقبل, فليست الوكالة الحصرية في مأمن اليوم. ولكي تواجه هذه الكيانات التحديات يجب عليها حصر أعمالها فيما تستطيع المنافسة فيه وعدم هدر الطاقة الإدارية والذهنية والمالية فيما لا تستطيع المنافسة فيه. كذلك هناك حاجة ماسة إلى التعامل مع الأطراف القانونية والتنظيمية لتأهيل هذه المؤسسات لتعامل أكثر تعقيدا وأقل طابعا شخصيا, ومن ذلك الاعتماد على كوادر مؤهلة من خارج العائلة وتحفيزها.
إداريا؛ ومن الطبيعي أن يسعى المؤسس إلى إعطاء دور لذريته في الإدارة, وهنا حالة تقاسم الأدوار بين الذرية. ينشأ هذا التقاسم عادة من طبيعة الأدوار والتدريب الذي حصل عليه الأبناء في الإدارة, أو من اختلاف القدرات والرغبات والطموح بين الأبناء.
بناء على قدرة الجيل المؤسس في خلق البيئة للأبناء؛ يتحدد مدى درجة تماسك ونمو هذا الكيان التجاري أو ذاك, أحيانا يتسبب تقاسم الأدوار بين الذرية في انكماش وبعض الأحيان انهيار هذا الكيان إذا لم يُدر بحكمة وهناك أمثلة من المجتمع وصلت إلى المحاكم, فانتقال الإدارة من جيل إلى جيل صعب في أحسن الأوضاع دون التعرض لصراعات داخلية. أحد التطورات الإيجابية الحديثة في السنوات القليلة الماضية هو تفادي الكثير من هذه المؤسسات لهذه الصعوبات الجمة, فبدأ المؤسس ومن حوله بتحديد المسؤوليات والأدوار وتوثيق الملكية وجذب كوادر إدارية مؤهلة من خارج العائلة, كما أن القليل (وبدرجة نجاح ملحوظة) تمكن من النجاح في التحول إلى شركات مساهمة مع بقائه ليس كمساهم رئيس فقط, بل المدير المسؤول. فاستطاع أن يقود عملية صحية في تحول هذه المؤسسات إلى شركات عامة ومواجهة متطلبات الإفصاح والشفافية المترتبة على كون الشركة مساهمة عامة.
فنجد شركة جرير وشركة المراعي كنماذج ناجحة كآخر من استطاع التحول بدرجة من السلاسة واحتفظ بالركائز الاستراتيجية والإدارية التي كانت تتميز بها عندما كانت شركات "خاصة" بحتة. هذه أمثلة جيدة ليس من خلال أدائها المالي فحسب، وإنما أيضا في درجة الكفاءة الإدارية ونمو هذه الكيانات الاقتصادية, ولعل هناك أمثلة أخرى في المملكة مماثلة لنجاح الكيانات العائلية.
التحدي لهذه الكيانات هو إيجاد الاستراتيجية المثلى للتعامل مع التحديات القائمة لمرحلة جديدة, فمثلا لن تكون الوكالة التجارية الحصرية هي مفتاح النجاح فقط, فالمرحلة تقتضي درجة عالية من القيمة المضافة والتوسع رأسيا وخلق ثقافة البحث والإبداع.
بينما يستعد عدد لا بأس به للتحول إلى شركات مساهمة فإن أمامهم تحديات كثيرة وعلى عدة مستويات من الاستراتيجي في التركيز في مجال العمل والسيطرة على ما يخلق قيمة تقنن لتباع بربح اقتصادي من خلال التوسع الرأسي على حساب الأفقي وتطوير المحاسبة والرقابة الداخلية إلى ما تتطلبه استحقاقات المرحلة من إفصاح وفصل أوضح بين الإدارة والملكية.
نجاح هذه الكيانات ورصد حركتها للمساعدة في التكيف مهم جدا لبناء اقتصاد سعودي مرن يستطيع التكيف.