رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الشركات العائلية السعودية.. وتحديات WTO

يعقد في العاصمة الرياض اليوم مؤتمر على جانب كبير من الأهمية يتناول مناقشة مستقبل الشركات العائلية في المملكة في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية السائدة.
وإذا كانت قضية الشركات العائلية السعودية تطرح بشكل يومي على بساط المناقشة والحوار في أسواق المال والأعمال، فإن طرحها اليوم بعد انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية WTO يكسبها بعداً دولياً مهما.
والواقع أن هذا الموضوع لا يشغل المملكة فقط وإنما يشغل الكثير من الدول النامية والدول المتقدمة على السواء، ففي دول الاتحاد الأوروبي تصل الشركات العائلية إلى نحو 80 في المائة وتسهم هذه الشركات بنحو 70 في المائة من الناتج المحلي، وفي الولايات المتحدة تبلغ الشركات العائلية نحو 20 مليون منشأة تمثل 49 في المائة من الناتج القومي وتوظف نحو 59 في المائة من العمالة.
وفي المملكة فإن استثمارات الشركات العائلية تزيد على 250 مليار ريال وتوظف هذه الشركات أكثر من 250 ألف موظف.
لذلك فإن الموقف العام من الشركات العائلية، سواء في الدول المتقدمة أو الدول النامية هو أن مستقبل هذه الشركات يقع بين تجاذبين، فالبعض يرى ضرورة تطوير الشركات العائلية في خريطة الاقتصاد الوطني وتحويلها بالتدريج إلى شركات مساهمة كبيرة تستطيع أن تنافس بضراوة في سوق عالمية لا مكان فيها للصغير، والبعض الآخر يرى الإبقاء على الشركات العائلية والاكتفاء بحوكمة هذه الشركات ووضع تنظيم إداري عصري لها يتمشى مع متطلبات عصر العولمة، ويتناغم مع مبادئ الشفافية والإفصاح والمساءلة.
والمناخ العام بالنسبة للشركات العائلية في المملكة هو أن الأغلبية الساحقة من الشركات العائلية متمسكة بشركاتهم ولا يقبلون مبدأ تحويل ملكيتها إلى الغير، إذ إن تحويلها، من وجهة نظرهم، إلى شركات مساهمة يعتبر من باب الكلام النظري البعيد عن الواقعية والموضوعية لاسيما أن 90 في المائة من الشركات في الاقتصاد الوطني هي شركات عائلية، كما أن تركيبة المجتمع السعودي تقوم على فسيفساء العائلة وأن العائلة تلعب دوراً إيجابياً مهما في تكوينات الحياة الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية.
ولكن، مع ذلك، حاول بعض رجال الأعمال المستنيرين وضع صيغة يتم من خلالها تطوير الشركات العائلية وإبعادها عن مناطق التهديد والخطر، كما أن بعض العائلات اتخذت خطوات علمية وعملية نحو وضع يسمح لشركتهم بالاستمرار والبقاء لأكبر عدد ممكن من الأجيال، والبعض الآخر اتخذ بالفعل خطوات نحو التحول إلى شركة مساهمة.
ونذكر على سبيل المثال أن عائلة ابن محفوظ لجأت إلى بيت خبرة عالمي وضع لها صيغة مناسبة لحمايتها من الخلافات التي قد تنشب بين الأحفاد وأحفاد الأحفاد، كما أن عائلة أحمد حسن فتيحي اتجهت إلى طرح أسهمها في السوق كشركة مساهمة وقامت بفصل الإدارة عن الملكية، كما أن بيت زينل وبيت العيسى وبيت الراجحي وبيت الجفالي اتخذت خطوات علمية وعملية نحو استقرار واستمرار شركاتهم لأجيال قادمة دون أن يمسها مكروه أو يعتريها خلاف.
كما أن بعض العائلات أخذت بمبدأ التعليم والتدريب فأنشأت أكاديمية يلتحق بها أبناء الشركات العائلية لدراسة ديمقراطية الإدارة والتنظيم الإداري للشركات ودراسة عمليات صنع القرار والتعرف على آفاق الاستثمار والتخطيط الاستراتيجي، بحيث يكون التدريب والتعليم هو الحارس الأمين لهذه الشركات، ويأتي اسم المهندس صبحي بترجي في مقدمة رجال الأعمال الذين اتخذوا الخطوة العلمية نحو إيجاد حل لمشكلة الشركات العائلية.
من ناحية أخرى فإن مجلس الغرف السعودية وضع دراسة لإنشاء مركز وطني للشركات العائلية، ويهدف المركز إلى تعزيز قدرة الشركات العائلية على مواجهة تحديات العولمة ووضع أسس توزيع الوظائف القيادية بين أفراد العائلة وتسهيل الاتصال إلى الأجيال: الثاني والثالث والرابع والخامس، وتقديم الخدمات التدريبية والتطويرية لأبناء وأفراد العائلة والمساهمة في فض المنازعات بين الورثة ودعم عملية الاندماجات بين الشركات العائلية وإخضاعها لمعايير الإفصاح المالي والشفافية الإدارية.
كل هذه المحاولات تأتي في إطار الاعتراف بالمشكلة وهي أولى الخطوات نحو الحل، ثم بادرت كل عائلة من موقعها لوضع الحل الذي تراه مناسباً، ولكن في النهاية فإن حل مشاكل الشركات العائلية يجب أن يتم وفق خطة استراتيجية هدفها تحويل هذه الشركات، على المدى البعيد، إلى شركات مساهمة يتم خلالها فصل الإدارة عن الملكية وطرح الأسهم للاكتتاب العام في السوق.
يقول بيتر دراكر المفكر الإداري المعروف في كتابه "الإدارة" إن شركات العائلات هي نماذج لتنظيمات تقليدية قديمة، وإن حماية ممتلكات العائلات لا تتم من خلال إصرار العائلات على الملكية الفردية والإدارة الكاملة، إنما من خلال تصميم تنظيم إداري مستقل يحمي المنظمة من الخلافات التي كثيراً ما تنشأ بين أفراد العائلة ولاسيما حين وفاة كبيرها. ويمضي دراكر قائلاً: إن الإدارة تتفوق وتتقدم على الملكية.
وفي مجلس ضمني وسعادة الشيخ محمد بن سالم بن محفوظ قال عن التنظيم الإداري الذي طبقه آل ابن محفوظ: إن ثروة الوالد، طيب الله ثراه، لم تكن عرضة لخلافات الورثة، لأننا حرصنا على تطبيق الشرع الشريف ولجأنا إلى التنظيم المالي العلمي المعاصر لتنمية الأموال وحمايتها من الهزات والخلافات، فأنشأنا مجموعة من الشركات وبينا الحقوق والواجبات حتى لا نترك ثغرة للخلافات ووضعنا شركاتنا في خدمة الاقتصاد الوطني.
ويضرب بيتر دراكر مثلاً بالإجراءات الهيكلية التي اتخذها هينري فورد الثاني وأندرو كارنيجي وجون ركفلور الابن وبيير دي بون عميد شركة جنرال موتورز التي حولت شركات العائلات إلى شركات بإدارة مستقلة تتمتع بالرشد والشفافية والنزاهة، ولكن حينما أصبحت الخلافات معولاً لهدم اقتصاديات العائلات، وبالتالي تأثر الاقتصاد الوطني سلباً بهذه الخلافات لجأت الحكومة الأمريكية إلى الضغط لتحويل شركات العائلات إلى شركات مساهمة بإدارات مستقلة "فصل الإدارة عن الملكية".
وبالمثل حينما دب خلاف بين ورثة المرحوم محمد علي مغربي أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أمراً بفصل الإجراءات القضائية التي قد تطول لسنوات عن الأنشطة الاقتصادية لشركات المغربي.
وما نقصده هو أن مشاكل الشركات العائلية لم تعد من المشاكل الكأداء، بل نشأت بيوت خبرة عالمية متخصصة في وضع صيغ مناسبة لحماية هذه الشركات من التورط في الصدامات العائلية، بمعنى أن مشاكل الشركات العائلية أصبحت محلولة، وفي المملكة بدأت معضلة الشركات العائلية تتراجع وأصبحت الحلول متاحة.
كما أن الدولة أخذت مواقف حاسمة إزاء بعض الخلافات التي نشأت بين أعضاء بعض البيوت التجارية الكبرى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي