تقرير مؤسسة النقد: تداعيات سوق الأسهم
ذكر تقرير مهم لمؤسسة النقد أن القروض الشخصية وصلت إلى 150 مليار ريال وأن منها نحو 109 ملايين لأغراض أخرى فهمت ضمنا أنه ذهبت إلى استثمارات ومضاربات في سوق الأسهم, وفي محاولة للحد من هذه المخاطر أصدرت بعض التعليمات للبنوك بالحد من القروض سواء أكان مبلغا أو مدة لكبح جماح هذه المضاربات.
هذا النوع من القروض قد يكون خطرا على الاقتصاد الوطني من أكثر من ناحية؛ أولها أن حجم هذه القروض ارتفع كثيرا في فترة وجيزة فهو لم يتعد عدة مليارات منذ سنوات قليلة. أتى هذا الارتفاع على حساب نمو قروض البنوك للقطاعات الإنتاجية من تجارة وصناعة وخدمات. فهذا الحجم من القروض الشخصية يشكل الآن نحو 35 في المائة من قروض البنوك, تلجأ البنوك لهذا النوع من القروض لأن هامش أسعار الفائدة مرتفع مقارنة بالقروض الصناعية, وكذلك لأن هذه القروض ليست شخصية بالمعنى المتعارف عليه في البلدان المتقدمة (معتمدة أساسا على تقييم المقترض وملاءته وقدرته على تسديد التزاماته) بل هي قائمة على ضمان استلام جزء معتبر من دخله الشهري وبهذا تكون الحكومة قد ساعدت القطاع المصرفي كثيرا إلى حد ضرر المقترض. بدأت هذه الخطوة في محاولة لسد فجوة في التنظيم القانوني لحماية المصارف ولكن يبدو أن المصارف استغلت الحماية إلى درجة عالية. الجدير بالذكر أن المصارف تجني ما يقدر بـ 30 مليون ريال يوميا لخدمات الوساطة فقط دون أن تقدم خدمات جديرة بهذه العمليات كالبحوث.
من الناحية الأخرى هذه القروض أسهمت مباشرة في قيام مضاربة مجموعة في سوق الأسهم مقارنة بأي معايير وتقييم في العالم الخارجي, وقد علمتنا التجارب أن الارتفاع غير المبرر اقتصاديا ينتهي عادة بانخفاض حاد ويكون غالبية الضحايا من صغار المساهمين وخاصة هؤلاء المقترضين منهم, خاصة في ظل ارتفاع الفائدة التي زادت من 1 في المائة في صيف 2004 (مؤشر أسعار الفائدة الأمريكية قصيرة الأجل) إلى 4 في المائة الآن.
تلك المضاربات دفعت الأسهم إلى أسعار غير مسبوقة, فعلى سبيل المثال شركة سابك التي يصل سعر سهمها إلى 1600 ريال تقريبا بمكرر ربحية يصل إلى أكثر من 30 ضعفا لأرباح 2005, بينما شركة داو كيميكل تصل إلى أقل من عشرة أضعاف, وكذلك أسهم شركة الراجحي المصرفية التي يصل مكرر الربحية فيها إلى 50 ضعفا مقارنة ببنك الكويت الوطني (أحد أكثر بنوك المنطقة نجاحا بمكرر ربحية يصل إلى 18 ضعفا), هذا الاختلاف الكبير في التقييم لا يمكن استمراره لأجل بعيد (هذا للأسهم الاستثمارية أما الأسهم التي للمضاربة فقط فحدث ولا حرج).
كما أن أعراض اجتماعية لهذه الظاهرة فالجميع يعرف أن الكثير من موظفي الحكومة في حالة شرود ذهني عن العمل من خلال مراقبة الشاشة في المكتب أو الوجود في صالات البنوك وهذا يحد من الإنتاجية لخدمة المجتمع.
من المؤسف حقا أن وزارة المالية تأخرت كثيرا في بيع بعض الأسهم إلى وسط استثماري متلهف, لذلك وجدوا أنفسهم في وضع يصعب عليهم فيه الآن طرح أسهم بهذه الأسعار غير المعقولة, فطرح الأسهم في السوق بهذه الأسعار سيؤثر حتما في السوق وبها ستتهم الحكومة بضرر السوق, لذلك نجد أنفسنا كوسط استثمار في حالة احتفالية محفوفة بالمخاطر ليس على الاقتصاد فحسب من ناحية إجمالية, بل إن الكثير من الأفراد سوف يتضرر حتما في حالة تصحيح حاد.
في السوق السعودية, هناك عدة شركات يصعب الدفاع عن أسعار أسهمها في ظل أدائها السلبي (تحقيق خسائر متواصلة), فمثلا تحدثت الأخبار يوم 2/12/2005 عن أن السلطات الأسترالية وضعت يدها على إحدى ناقلات إحدى الشركات لأسباب مالية في أستراليا, بينما نجد الشركة تحاول أن تقاضي هيئة سوق المال بعد اعتراض الهيئة على محاولة الشركة زيادة رأس المال من خلال إصدار جديد. علما أن رفض الهيئة جاء لحماية المستثمرين, ولكن حالة السوق الثقافية غير الصحية تجدها تلوم الهيئة وليس إدارة الشركة.
هيئة سوق المال تحاول القيام بمسؤولياتها الحساسة لكن في ظل هذا الجو الاحتفالي بارتفاع أسواق الأسهم, فالدور الرقابي يكون في أضعف صورة عندما تكون هناك جهات أخرى لا تقوم بدورها مثل تأخر مؤسسة النقد في كبح جماح الإقراض غير المسبوق لأغراض غير هادفة, أو تأخر وزارة المالية في طرح أسهم جديدة.
ففي ندوة قبل عدة أيام وجد محافظ الهيئة نفسه في موقف حرج بين وعيه عن حالة السوق المحمومة ورضا الناس وبعض المسؤولين بحالة الابتهاج وبين تساؤل الكثير من المراقبين عن الدور الرقابي والإرشادي للهيئة, حيث إن الدور الرقابي يأتي على درجة من الخجل وقد يقول البعض الضعف في متابعة وتطبيق الأنظمة على الشركات والأفراد المقصرين في حماية الاقتصاد الوطني ومواطني هذه البلاد.