أي الوزراء يفعلها أولاً؟
إن قرار تأسيس مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني يجسد قدرا كبيرا من الشجاعة والحكمة اللتين تتصف بهما قيادتنا، ويمثل في رأيي خطوة واثقة وغير مسبوقة في محيطنا القريب، كما أنه يدلل على حرص ولاة الأمر على فتح قنوات مُأطرة لحوار يتصف بالرقي والوعي للتفاعل مع العديد من القضايا المهمة في مجتمعنا بطريقة تنسجم مع تراثنا وقيمنا التي نفتخر بها.
وإذا كانت القضايا التي يناقشها المركز في المجمل هي قضايا فكرية بالدرجة الأولى وتتصف بالعموم ولا تدخل في التفاصيل فإن هناك قضايا اقتصادية تحتاج هي الأخرى إلى فتح حوار يدخل في التفاصيل الدقيقة ولا سيما تلك التي تتعلق بالإجراءات وطرق العمل والأنظمة التي يطبقها كثير من الأجهزة الحكومية ولها علاقة وثيقة بالتنمية الاقتصادية وتحفيز القطاع الخاص للعب دور مهم ومحوري في تحقيق تنمية مستدامة تسهم في توفير رفاه اجتماعي لا غنى عنه لعلاج كثير من قضايانا الوطنية.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الأجهزة الحكومية التي لها علاقة بالاقتصاد الوطني وجدت في الأساس لتنمية الأنشطة الاقتصادية عن طريق التنظيم والإشراف المباشر على كل ما له علاقة بها، ومن ذلك تشجيع وتحفيز المستثمرين كافة لطرق باب المشاريع المنتجة وتذليل العقبات التي تحول دون انسياب أموالهم في تلك المشاريع ضمن إطار عام يأخذ في الاعتبار المصالح الوطنية مثل حماية المستهلكين من الغش والإغراق والاحتيال والاحتكار والمحافظة على البيئة وضمان عدم مخالفة أي من تلك الأنشطة لقيمنا وعاداتنا الاجتماعية وغيرها فمن باب أولى أن تبادر تلك الأجهزة من تلقاء نفسها لفتح قنوات حوار مفتوحة وربما ورش عمل مع رجال الأعمال لمناقشة القضايا العالقة كافة بين الطرفين التي دائماً ما تظهر في توصيات المنتديات والمؤتمرات والندوات والملتقيات الاقتصادية كل عام.
إن التطورات التي ظهرت أخيرا على مسرح الاقتصاد العالمي مثل مسارعة دول كثيرة لجذب الاستثمارات وتقديم محفزات مغرية لرؤوس الأموال وعملها الدؤوب لجذب المزيد منها تضغط اليوم أكثر من أي وقت مضى لفتح مثل هذا الحوار ولا سيما أن معظم توصيات المنتديات الاقتصادية والندوات والمؤتمرات وحلقات العمل على علاقة وثيقة بأداء تلك الأجهزة.
لن أكون مبالغاً عندما أقول إن معظم القضايا التي تناقشها المناسبات الاقتصادية على اختلاف أشكالها معروفة للكثير من المتابعين للشأن الاقتصادي وربما أن التوصيات معروفة كذلك، لذا فإن تكرار تناولها في كل مناسبة لن يكون مجدياً في ظل اتساع الهوة التي تفصل بين المعنيين بالأمر وهم رجال الأعمال والأجهزة الحكومية.
لذا فإن أي حوار هادئ ومتواصل وصريح بين القياديين في أي جهاز حكومي له علاقة بالاقتصاد الوطني ورجال الأعمال سيفضي إلى نتيجتين إما تذليل العقبات التي يرى رجال الأعمال أنها تعوق تدفق الاستثمارات وإما أنها ستسهم في تضييق الهوة بين الطرفين وكلتا النتيجتين على قدر كبير من الأهمية.
إن تحقيق القطاع الخاص لنسب نمو مرتفعة في السنوات المقبلة تزيد عن نسب النمو السكاني ـ وهذا ممكن حدوثه - يمثل من وجهة نظري التحدي الأهم الذي ينبغي العمل على تحقيقه على أرض الواقع لما لذلك من إيجابيات مهمة تتجاوز الشأن الاقتصادي إلى شؤون أخرى تعليمية وتدريبية واجتماعية وأمنية كذلك، ومن هذا المنطلق تبرز أهمية المبادرة لمثل هذا الحوار الذي آمل أن تقتنع به الأجهزة المعنية وأن تبادر إلى فتحه عاجلاً غير آجل، وإلى أن يتحقق ذلك دوموا بخير.