القيادات الشابة
يعقد في دبي هذه الأيام ملتقى القيادات الشابة، ولا شك أن الملتقى يتناول موضوعا حساسا يستدعي وقفات جادة من أصحاب القرار في بلادنا خاصة ودول الخليج عامة. ولعل أول هذه الوقفات وأهمها ما يتعلق بإتاحة الفرصة لجيل الشاب من أبناء هذه البلاد لتولي زمام القيادة في القطاعات الحكومية والخاصة كافة. فالتنمية بشتى صورها يجب أن تبدأ من خلال تهيئة وبناء جيل ثان من القيادات يستطيع أن يدير عجلة التنمية. فالخطط والبرامج التنموية لا بد أن تركز على الاستثمار في جيل الشباب من خلال استغلال طاقاتهم ومواهبهم لما فيه المصلحة العامة. ومع أنه لا يوجد خلاف على أهمية هذه الوقفة، إلا أننا سوف نختلف حول أفضل الطرق لتفعيلها ووضعها موضع التنفيذ.
أما الوقفة الثانية فتتعلق بمعرفة الجهات المسؤولة بوجه مباشر عن تهيئة جيل الشباب للمراكز القيادية. ولأن الاقتصاد السعودي بطبيعته يعتمد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الدعم الحكومي، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الجهات الحكومية في تهيئة الأجواء للقيادات الشابة. ولعل استقراء ممارسات القطاع الحكومي في هذا الشأن توحي وللأسف بعدم إعطاء هذا الموضوع عناية خاصة. ومن تلك الممارسات التمسك بالإدارات الـتقليدية لفترات طويلة دون تغيير، وفي أحيان أخرى نقل القيادات من مكان إلى آخر دون تقييم لفعالية أدائهم في الجهات السابقة ودون إعطاء الجيل الجديد فرصة المشاركة في اتخاذ القرار، فواقع الحال في التمسك بالقديم يؤكد مقالة "ما في هالبلد إلا هالولد". إن مثل هذه الممارسات سوف تؤدي إلى نتائج سلبية في المدى الطويل على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. فالنقص سوف يستمر في القيادات المؤهلة مما سيضطرنا إلى الاعتماد لاحقاً على الخبرات الأجنبية. وفي نفس الوقت فإن الطموح لدى الشباب سوف يضمحل وبالتالي عزوفهم عن العمل العام.
أما الوقفة الثالثة فتختص بمسؤولية القطاع الخاص في تحمل المسؤولية في تأهيل الشباب لتبوؤ المناصب القيادية وليس المناصب العادية. فالقطاع الخاص لا يزال يعيش في تناقض كبير من حيث إتاحة فرص التعلم للشباب من خلال الممارسة العملية، فبينما يُعطى غير المواطن فرصة في التعلم والخبرة، تجد هناك ترددا في إعطاء تلك الفرصة لأبناء هذا البلد. وهذا لا شك نوع من سوء الفهم في كيفية تأهيل القيادات وتطويرها، فعدم إعطاء الشباب فرصة التعلم وكسب الخبرة سيؤدي في نهاية المطاف إلى نقص في الكوادر بشكل عام والقيادية بشكل خاص، ومن ثم استمرار الاعتماد على الأجنبي ليس في الوظائف البسيطة وحسب بل في الوظائف المتوسطة والقيادية. إن المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص تحتم عليها أن يكون لها دور واضح في تأهيل الشباب السعودي لتبوؤ المناصب القيادية
إن الشباب يعتبر عصب الموارد الاقتصادية قاطبة، فالموارد الاقتصادية مهما كانت أهميتها تعتبر عبئا على الدول إن لم توجد كوادر وطنية توظفها وتستخدمها بكفاءة لتحسين الرفاه الاقتصادي والاجتماعي. إن الاهتمام بالقيادات الشابة وتهيئتهم لإدارة القطاع العام والخاص أمر ملح ينبغي أن يكون من أولويات أصحاب القرار، فالمملكة تحتوي على نسبة كبيرة من الشباب المؤهل الذي يطمح إلى المشاركة الفعالة، والقدرات كما هو معروف إذا لم تستخدم تنضب، Use it or loss it . كما أن القيادات يصعب توفيرها أو تطويرها بسرعة، بل تحتاج إلى تدرج حتى يتم إحلالها محل القيادات التقليدية. وكما يقال "لكل زمان رجال".