ضعفُ التثقيف الصحي عبءٌ يتحمله اقتصادنا
يسعى العالم كله فقيره وغنيُه, مثقفون وأميون, لكي يكونوا صحيحي العقل والبدن وليعيشوا حياة كريمة راقية. لكن ما يختلف ويميز دولا أو شعوبا عن أخرى هو درجة ومستوى السعي فيها نحو هذا الهدف. فمنها ما يحلق بعيدا, ومنها ما يركض ويهرول ومنها ما يمشي ويزحف. السؤال المهم هو: ما هو المستوى الذي سعينا ووصلنا اليه؟ من المعروف أن قياس مدى وصولنا لمستوى الوعي الذي يحقق: قيادة المجتمع نحو التعلم الذاتي, الشراكة في مسؤولية الوصول لأفضل مصير, وفهم ومعرفة المجتمع لاحتياجاته يعني أننا تمكنا من الوصول لمشارف أفضل النظم الصحية في العالم "وهذا ما نسعى إليه إن شاء الله". ولكن بما أن نظامنا الصحي معتمد على سبعة قطاعات تحاول تقديم الخدمات الصحية بشكل تنافسي فنحن لدينا نظام صحي مركب من عدة أنظمة, وبذلك لن نستطيع تطبيق معايير القياس بسهولة.
لقد كتب في هذا الكثير من المتخصصين والكتاب جزاهم الله خيرا, وقد نشر لي حوار قبل خمس سنوات تقريبا لمحت فيه بأهمية وجود المجلس الأعلى للصحة وقد كان في ذلك الوقت موضوعا ساخناً. إلا أن الجهود ما زالت غير كافية لبلوغ المرام قريبا لوجود التعددية في تقديم الخدمات الصحية التي لا تعتبر ميزة بقدر ما هي معضلة. فمن ناحية اقتصادية يتفاقم حجم الإنفاق على الصحة عاما بعد آخر, بالإضافة إلى بعض النفقات غير المحسوبة, التي يمكن القول بأنها ضخمة للغاية مع وجود الكثير من القصور صحيا وهذا تناقض عجيب. أما طبياً, فالمفارقات واضحة خصوصا في درجة الخدمة الصحية المقدمة, وعدم وجود سجل طبي موحد للمرضى, وتمايز قطاع عن آخر في مستوى القوى العاملة المتخصصة, والأجور المدفوعة لها وإمكانياتها التجهيزية العالية.. إلخ. وما زال هذا الوضع يبحث عن حلول منصهرة في بوتقة واحدة ترضي جميع الأطراف!
من وجهة نظري, يفضل الآن تشكيل مجلس أو هيئة عليا "تحدد مهامها ومسؤوليتها خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات". تنتهي في العام الأول من إعادة صياغة النظام الصحي في المملكة بكامله وتحديد دور المستشفيات العسكرية والتعليمية في وزارة التعليم العالي والدور الأساسي الذي يجب أن تقوم به وزارة الصحة والقطاعات الأخرى المساهمة في تقديم الخدمات الصحية في سبيل وضع قاعدة يمكن أن ينطلق منها نظام التخصيص وبرامجه. تستكمل بعدها وخلال عامين فقط وضع اللوائح التفصيلية لتقنين عمل المرافق الصحية المرجعية والعامة التابعة للقطاع العام والقطاع الخاص.
إلى أن نلمس بوادر هذه الخطوة, فلا بد من تمكين المجتمع من التغلب على ضعفه وفقره المعلوماتي بعزيمة الذات واتحاد القطاعات المختلفة والمقدمة للخدمات الصحية بجانب وزارة الصحة في تقديم الوعي الصحي بالتنسيق المتكامل والتنظيم والمنهجية المدروسة. ولنا في مبادرة رئاسة الحرس الوطني الكبيرة الأخيرة مثل, فقد جمعوا خبراء مرض إنفلونزا الطيور تحت سقف واحد لوضع حجم للمشكلة بصفة عامة, والخروج بتوصيات علمية في كيفية مواجهة المرض بالتوعية والاستعداد الوقائي والعلاجي. من خلال مثل هذا التكتل يؤمل توحيد الجهود في نشر التوعية الصحية خلال الأيام الصحية العالمية "موضحة في الجدول المرفق" بالاستفادة من الخبرة الأكاديمية للمستشفيات الجامعية, والإمكانيات التجهيزية والمالية لمستشفيات القطاع الخاص والمستشفيات العسكرية, والانتشار الواسع والقوة البشرية لوزارة الصحة.
في هذا الصدد لا بد من تكوين فريق قادر على تبليغ الرسالة الصحية بأسلوب علمي وحديث وفي الوقت نفسه يكونوا أنوية متخصصة لنشر التوعوية ليس فقط الصحية ولكن البيئية والزراعية والصناعية.. إلخ من خلال برامج معدة بطريقة منظمة منهجية. لذلك لا بد من توطين وسعودة هذا المجال وتأهيل الكوادر فيه تأهيلا عاليا خصوصا وأن عصر التخصيص سيعتمد على الأكفأ علما وخبرة والأقل تكلفة.
لقد حوت تقارير منظمة الصحة العالمية السابقة والأخيرة, الكثير من المعلومات والأرقام التي تشرح موقف ووضع كل دولة صحيا وبيئيا, وتضع بالتالي التحذيرات والإرشادات التوعوية لتوجيه اهتمام الدول نحو تحسين وضعها بادئة بالتثقيف أو التوعية الصحية. وحيث لم تتحسن حالة كثير من الدول بل ساءت, بدا المجتمع الدولي – إجمالا - سلبيا حيال التحرك الإيجابي لإصحاح مجتمعاتهم. وفي هذا ذكر في العديد من المؤتمرات والتجمعات الصحية والتنموية أن المشكلة تكمن أساسا في النظام الصحي لكل دولة. وإذا ما أرادت الدولة الارتقاء بمجتمعها صحيا فلا بد من تكريس الجهود في التوعية الصحية الموجهة. لقد حدد المجتمع الدولي الممثل في منظمة الصحة العالمية أياما على مدار العام تقوم فيها الدول بتكثيف حملات التوعية بيئية كانت أم صحية وقائية, كل بما يتناسب وإمكانياته وثقافة مجتمعه. من أهداف هذه الحملات في هذه الأيام تحسين الوضع الصحي في الدول كافة, وتخفيف وطاة عبء المراضى على المجتمعات والحكومات اقتصاديا. وحسب تقرير المنظمة للعام الماضي, والدراسات التي نشرت في بعض الدول المتقدمة فقد تصدر مثلا مرض الإيدز قائمة إحصائيات الأمراض الفتاكة بالقوى البشرية والمستنزفة للمداخيل القومية للدول، حيث قدرت الوفيات الناتجة عن الإصابة بالمرض بـ (خمسة ملايين نسمة) سنويا, يليه في الأهمية مرض السكري الذي بلغت الوفيات الناتجة عن الإصابة به (أربعة ملايين نسمة) سنويا. وهناك أمراض لها أعباء اقتصادية مثل مرض الربو, حيث احتلت الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الدول في إنفاقها (ستة مليارات دولار) خلال العام الماضي فقط. وعلى الرغم من أن وفياته كانت في حدود (أربعة آلاف نسمة), إلا أن أهميته الاقتصادية قدرت بحساب عدد أيام ملازمة المريض فراشه. حيث بلغت مجموع أيام محدودية الحركة أو منع الحركة بـ (100 مليون يوما مهدرا سنويا) الذي بالتالي قدر على مستوى العالم بـ (2.5 تريليون يوما مهدرا سنويا). وهذا من أكبر المؤشرات التي قد تفيد الاقتصاديين في أنحاء العالم في حساب حجم العوائد والخسائر. أما الأمراض المعدية فمرض الملاريا سجل خلال الـ (30 عاما) الماضية خسائر بأرقام فلكية اقتصت من الناتج القومي لكل الدول المنتشر فيها المرض في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. ففي العام الماضي فقط قدرت الخسائر في هذه القارات الثلاث بما يزيد على (12 مليار دولار). وفي دراسة قدرت فيما لو تم اتباع الإرشادات والنصائح التوعوية لكان هناك وفرا خلال الثلاثين عاما الماضية بما لا يقل عن (100 مليار دولار).
الأمثلة عديدة والتقارير الدولية كشفت الواقع المرير للدول النامية والفقيرة, وأكدت على أن الفقر الحقيقي هو الفقر المعلوماتي الذي يكاد يكون أفتك من الفقر المالي لأنه يقود للأخير في هذه المجتمعات, ولا يعرف الفرد فيها ما يهدده صحيا إلا إذا وقع فيه. لذلك يعول على تحسين مستوى الوعي الصحي ردم كثير من المشاكل المسببة للفقر ويقلص تاثيرها على هذه المجتمعات وبالذات التي تعيش دون مستوى (دولارين يوميا) والمقدر عددهم بـ (ثلاثة مليارات نسمة) حول العالم.
إن القادم من العمل يحتاج إلى تضافر الجهود كافة على المستوى الفردي والمؤسسي ويؤمل ألا يكون هناك تحرج من التعاون أو تبادل الخبرات في القطاع ذاته أو بين القطاعات المختلفة, فالهدف وطني وسلامة الوطن الصحية هدف الجميع.