محاكمة صدام
هل تصبح محاكمة صدام حسين مسلسلا طويلا على غرار محاكمة أوجى سيبمسون النجم الرياضي الأمريكي الشهير؟ سؤال يبدو أنه يملك قدرا كبيرا من الوجاهة والمنطق, خصوصا وأن المحاكمة قضية معقدة تضم أطرافا عديدة فيها الدولي والإقليمي والمحلي, بل إن المحاكمة في الواقع تعتبر أغرب محاكمة عبر التاريخ. فلم يحدث أن أمسك شعب بطاغيته وتركه نزيل الإقامة الجبرية أو السجن المخفف في انتظار محاكمته. فطغاة روسيا, فرنسا, وبريطانيا تم إعدامهم دون تردد, كذلك كان الحال مع ديكتاتور جمهورية رومانيا تشاوشيسكو وغيره من متجبري أمريكا اللاتينية وإفريقيا.
لم تكن معزوفة الديموقراطية جاهزة قبل الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001, وإعدام النازيين بعد انتحار هتلر بقرارات محاكمات نورنبرج كان جملة اعتراضية في مسار الأحداث آنذاك, أو أنها بمثابة ذر لرماد العدل في عيون الإنسانية، إكراما لمشاعر ضحايا المحرقة من اليهود وملايين الأبرياء الذين قصفتهم طائرات المحور أو ماتوا في عراء الثلوج أو جراء الجوع أو التيه أو بقوا أحياء يقضمون لعنة تشوهاتهم الجسدية أو النفسية أو كلتيهما معا.
محاكمة صدام حسين نبش لجحر الأفاعي, أو قل مجازفة لاقتحام عرائن الأسود.
ليس لأن الطاغية صدام شخص ساحر خارق في قدراته الفيزيائية أو العقلية, إنما لأنه شاهد على سنوات من صناعة الأحابيل والألاعيب السياسية والمصائد, حتى لا نقول المؤامرات للتحرك في هذا الاتجاه أو ذاك تحت مظلة الدولة العظمى نفسها وذخيرة استشاراتها. وكذلك مشورة دول أوروبية أخرى زعمت صداقته ودعته علما وخبرة وسلاحا.
صدام حسين سيكون بمثابة فضيحة المسكوت عنه في دهاليز السياسة وأروقة الدبلوماسية. وليس في صالح أمريكا أو أوروبا فتح علبة بندورا لتتطاير الشرور فتصبح حديث الدنيا ويعرف العالم أن من يتجملون بالديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان ليسوا سوى الشركاء على الطاولة المستديرة غير المرئية لصناعة الموت.
لا سبيل أن يرغم صدام على الحديث في العلن, بل سيرغم القضاء نفسه على التكتم وجعل المحاكمة سرية للغاية, فالطاغية إن فتح فمه لن يدخر وسعا في إغراق الآخرين معه مادام قد غرق. لن تألوا أمريكا ودول أوروبية أخرى جهداً لجعل المحاكمة مجرد مواعيد وحضور صوري لحين قد لا يطول كثيرا، فالمسلسل الصدامي خطير يخيف كثيرين على عكس مسلسل محاكمة أوجيه سيبمسون الذي يحمل إثارة لكونه جنساً ومالاً وتحرياً.
وإذا جرى تحجيم المحاكمة في نطاق ما أنزله صدام من عذابات رهيبة على أفراد أو جماعات فقد يفاجأ القاضي وهيئة المحكمة بالخروج على النص إلى الحديث في الكلام غير المباح فصدام شخصية شيطانية لئيمة, جمع من الشرور والغرور والغطرسة والوحشية ما لا مثيل له في سجل الطغيان, لذلك سيحرق روما على مَنْ فيها ولو باختلاق الأكاذيب, مع أنه يمتلك من الأسرار ما لا تطيقه دوائر صناعة السياسة الأمريكية أو الأوروبية تلميحا فما بالنا لو قاله تصريحا؟
محاكمة صدام سوف يتم تجفيف منابعها وتذويبها في محلول الوقت ولن يشهدها العالم, خصوصا ضحاياه من أهل العراق العظيم وما لم يتدخل القدر ويضع حدا لحياة صدام, فإن أمراً ما سيحدث ويسدل الستار على هذه المهزلة!!