المؤسسات الصحفية.. إلى شركات مساهمة!
نستطيع القول إن الفجوة بين هموم الناس وبين مجلس الشورى الذي يفترض أنه يمثل الناس.. بدأت تضيق بعد أن نجح المجلس في الآونة الأخيرة في مناقشة قضايا تتصل بتفاصيل الحياة اليومية للإنسان السعودي.
ولا نود أن نستعرض عناوين الموضوعات التي ناقشها المجلس المحترم في الآونة الأخيرة، ولكن لا شك أن هذه الموضوعات لها علاقة وثيقة بالحياة اليومية للمواطن.
وما نود مناقشته في هذا المقال هو ما طرحه للمناقشة في الجلسات الأخيرة لمجلس الشورى عضو المجلس أخي الزميل الدكتور صدقة فاضل، واقترح تحويل المؤسسات الصحافية إلى شركات مساهمة تتاح ملكيتها لجميع المواطنين السعوديين ولا تكون حكراً على فئة معينة، وبالتالي تطرح أسهم هذه الشركات للاكتتاب العام في سوق الأسهم السعودية.
وهذا الموضوع سبق أن طالبت به ونشرته في هذه الصحيفة الغراء في عدة مقالات في شباط (فبراير)، ثم عدت وناقشته في تشرين الأول (أكتوبر) 2005. وأضيف اليوم أنني فاتحت صديقين عزيزين من كبار رجالات المال والأعمال في موضوع تحويل المؤسسات الصحفية إلى شركات مساهمة، وهما الصديق الأستاذ محمد بن محفوظ والصديق الأستاذ أحمد فتيحي. وفي معرض رده على مشروع تحويل المؤسسات الصحفية إلى شركات مساهمة قال الصديق الأستاذ محمد بن محفوظ وهو عضو في مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر.. المفروض أن يتم ذلك منذ زمن بعيد ولهذا التحول الكثير من الفوائد التي ستعود على سوق الأسهم وكذلك فوائد جمة تعود على أسهم المؤسسات الصحفية، وأكد سعادته أن سوق الأسهم السعودية بدأت تحقق الكثير من النجاحات وأنها في أمس الحاجة إلى توسيع وتنويع قاعدتها، بحيث لا تنحصر في شركات الكهرباء والأسمنت والبنوك وبعض شركات الخدمات والصناعات.
والواقع أن كلام الشيخ محمد بن سالم بن محفوظ كلام على جانب كبير من الأهمية، وطالما أنه آت من شخصية بنكية عريقة فيجب أن ينال الاهتمام.
كما فاتحت الصديق زميل الدراسة الأخ الأستاذ أحمد حسن فتيحي في ذات الفكرة فأشاد بها وناشد الجهات المختصة أن تدرس الفكرة دراسة جادة، ثم عدد الكثير من الفوائد التي ستعود على المؤسسات الصحفية جراء طرح أسهمها على جميع الناس دون استثناء، كما عدد المزايا والفوائد التي ستجنيها سوق الأسهم السعودية من طرح أسهم وسائل الإعلام في سوقها الضيقة، وقال إن أسهم المؤسسات الصحفية جاذبة للشراء والصحافة بصورة عامة مغرية للجميع، وإذا طرحت أسهمها في السوق فستحدث تحولاً تاريخياً في الصحافة وفي سوق الأسهم على السواء.
ويبدو أن مبادرة وزارة الإعلام عام 1383هـ في إصدار أول نظام للمؤسسات الصحفية، كانت تحمل فكرة تحرير الصحافة من هيمنة العائلة الواحدة، وكان النظام يأمل في أن يفتح أمام المثقفين والمفكرين ورجال الأعمال مجال امتلاك أسهم المؤسسات الصحفية بغية النهوض بالصحافة وتطويرها، ولكن النظام ارتكب في ذلك الوقت خطيئة كبرى حينما اشترط أولاً موافقة وزارة الإعلام على قبول العضو في المؤسسات الصحفية.
وكانت هذه الموافقة المشروطة على الأعضاء المساهمين بمثابة المعول الذي هدم كل الطرق المؤدية إلى سوق الأسهم السعودية.
والآن الخطوة الثالثة في إصلاح الصحافة السعودية متاحة بتحويل المؤسسات الصحفية إلى شركات مساهمة، ولكن أكثر ما يؤخذ على نظام المؤسسات الصحفية الحالي.. هو أنه لم يؤسس لقيام أجهزة مركزية للرقابة المالية على المؤسسات الصحفية. وبرغم أن الدولة أسست ديوان المراقبة العامة للرقابة المالية على المؤسسات الحكومية.. إلا أن القطاع الخاص يفتقد إلى وجود جهاز مركزي للمحاسبة والرقابة المالية لأن القطاع الخاص جزء لا يتجزأ من الاقتصاد الوطني وحمايته من براثن الفساد يجب ألا تقل عن حماية المؤسسات الحكومية.
إن عدم وجود جهاز مركزي للرقابة المالية أدى إلى انتشار الفساد المالي والإداري في بعض المؤسسات، ويبدو أن استمرار غياب جهاز مركزي للرقابة المالية في ظل النظام العتيق القائم.. سيؤدي إلى غياب مبدأ المساءلة والشفافية وإلى انتشار الفساد على مساحات أكبر في المؤسسات الصحفية.
ومع الأيام أثبتت تجربة نظام المؤسسات الصحفية أن النظام أخرج الصحافة من أغلال العائلة الواحدة ووضعها في دوائر العائلات المتراحمة، ولهذا ظلت السنوات تمر دون أن يطرأ تغيير يذكر في ملاك المؤسسات الصحفية، وباتت المؤسسات الصحفية وكأنها قد تحولت من ملكية فردية أو من ملكية العائلة الواحدة.. إلى ملكية عدد محدود من العائلات، وعندئذ أصبح مصطلح " احتكار القلة " هو المصطلح الاقتصادي المناسب لهذه المؤسسات.
وإذا كنا جميعاً نسلم بأن الصحافة السعودية تواجه في هذه الأيام تحديات محلية وإقليمية وعالمية واسعة، فإن إعادة هيكلة المؤسسات الصحفية وتحويلها من مؤسسات تتفاعل مع ظروف وأحداث الستينيات الميلادية.. إلى شركات تتعاطى مع عصر الأقمار الصناعية والعولمة الإعلامية.. بات أمراً ضرورياً وملحاً.
ولذلك فإن أولى الإصلاحات التي يجب أن تأخذ بها شركات المساهمة الصحفية هو فصل الإدارة عن الملكية، وهو عيب من عيوب نظام المؤسسات الصحفية الذي ربط الإدارة بالملكية وكأننا نعيش في القرن التاسع عشر.
وحتى تكون الصحافة السعودية في مستوى المنافسة والندية مع صحف العالم النامي والمتقدم، فإن الوقت قد حان كي نغير الصيغ التي ظلت عليها صحافتنا منذ أكثر من أربعين عاماً وهي صيغة رئيس التحرير المحكوم عليه بالمؤبد في كرسي الرئاسة، وصيغة الجمعية العمومية التي تجتمع بروتوكولياً كل سنة مرة، وصيغ مجلس الإدارة الذي لا يقهر حتى إذا بلغ عمره 20 عاماً، وصيغة المؤسسة المقفلة على أصحابها وكأنها شركة عائلية ضليعة في تقاليدها العائلية التي وقعت ضحية انغلاقها لما يقرب من 70 عاماً. وكانت النتيجة غياب الرؤية الإعلامية إلى درجة أن بعض الصحف تحولت, دون أن تدري, إلى صحف متخصصة، في نشر أخبار الحوادث.
إن المؤسسات الصحفية تكتسب خصائصها (الشراكية) من (المادة 2) من نظام الشركات، حيث يمكن اعتبار المؤسسة الصحفية شركة مساهمة كاملة الأهلية بعيداً عن ما يسمى بالشركات المحدودة أو المقفلة.
ونتصور أن التطورات المذهلة التي حدثت في مجالات الإعلام ابتداء من انتشار الطباعة الإلكترونية للصحف وقيام بعض المؤسسات الصحفية المحلية ببناء صروحها العصرية ومواقعها على الإنترنت وانتشار الفضائيات.. تفرض علينا إعادة إصدار أنظمة الإعلام والطباعة والنشر بطريقة تتناسب مع هذه التطورات الهائلة التي ألغت في الممارسات العملية بعض مواد نظام المؤسسات الصحفية وجعلت هذه المواد خارج أسوار الواقع المعاصر للإعلام.
إن الحفاظ على الهوية ليس شعاراً ترفعه مؤسسات منقوصة الأهلية بل هو عمل مخطط يقوم بمهمة تشكيل فكر ووجدان الإنسان السعودي ويحافظ على هويته الدينية ويعمق انتماءه لوطنه.
وإذا لم تجد الأجيال منابع رصينة للزاد الثقافي والإعلامي من خلال آلية متطورة وقادرة على المنافسة مع الزاد الفضائي. فإن هذه الأجيال ستكون عرضة لهجمات الثقافات التي تبثها الفضائيات وشبكات الإنترنت على مدار الساعة.
وإذا كنا نبحث عن موقع للمؤسسات الصحفية في سوق الأسهم السعودية فإن نظام السوق المالية لا يمنع دخول المؤسسات الصحفية إلى السوق, ولعله من غير المعقول أن تظل المؤسسات الصحفية بهياكلها المالية والاقتصادية والإعلامية المتنامية بعيدة عن سوق الأسهم التي مازالت تتعطش إلى مثل هذه الشركات.
وأحسب أن نظام المؤسسات الصحفية ونظام السوق المالية لا يعارضان دخول المؤسسات الصحفية إلى سوق الأسهم السعودية.
وإذا نظرنا إلى المادة الثانية من نظام السوق المالية نجد أنها تنص على أن المقصود بالأوراق المالية هي أسهم الشركات القابلة للتحويل والتداول.
والمادة (7) من نظام المؤسسات الصحفية أجازت بيع الأسهم لأعضاء من داخل المؤسسة أو خارجها، لكن المادة (2) اعتبرت المؤسسات الصحفية منشأة خاصة.
وإذا كان النظام الذي صدر في عام 1383هـ، قد اشترط موافقة وزارة الإعلام على العضوية فإن النظام الذي صدر في عام 1421هـ لم يشترط موافقة وزارة الثقافة والإعلام بل ترك الباب موروباً لتداول أسهم المؤسسات الصحفية.
إن الدولة بإرادتها قد أصدرت نظام المؤسسات الصحفية، وبإرادتها تستطيع أن تعدل النظام بما يتناسب مع آفاق التطوير والعولمة.
وما على المؤسسات الصحفية، إلا أن تخطو الخطوة الأولى وتتقدم رسمياً إلى وزارة الثقافة والإعلام باقتراح تحويلها إلى شركات مساهمة يمكن طرح أسهمها للاكتتاب.