رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هيئة السوق المالية ما لها وما عليها - الاستقلال ضمان البقاء

ظهرت هيئة السوق المالية "تداول" إلى ساحة الاقتصاد السعودي ومعها العديد من الطموحات ومعلق عليها الكثير من الآمال, وبالفعل احتلت هذه المؤسسة الفتية مكانها ومارست مهامها ولم تكن, وعلى عكس التوقعات, كمثيلاتها من الهيئات ذات الشكل المفرغ من المضمون. عمدت هذه المؤسسة ومنذ اللحظة الأولى إلى التعامل مع الواقع لضبط السوق المالية ومواجهة مشكلها وكانت المفاجئة أن استطاعت إدارة الهيئة اتخاذ العديد من القرارات الجريئة وحماية المستثمرين ـ الصغار منهم على وجه الخصوص - وأن تختصر المسافات في وقت قصير جدا وتصهر المراحل لتقترب من مثيلاتها العالمية التي لها باع طويل في هذا المجال.
بالطبع لم يكن لهذا النجاح أن يمر دونما إثارة البعض وخلق المشاكل للبعض الآخر. وكما هو متوقع ظهر صراع القوى وتقاطع النفوذ بين الهيئة من جهة وغيرها من الوزارات, وما كان الخلاف بين الهيئة ووزارة التجارة بآخرها ومازالت الأيام المقبلة تمتطي مثل هذه المواجهات. ليس هذا فحسب وبل إن هناك دوما من يقتات على الفوضى ويجدها مرتعا خصبا للكسب المشروع وغير المشروع على أساس أن القانون لا يحمي المغفلين فقد ظهرت فئة عارضت بقوة إنجازات الهيئة واعتبرتها فشلا ورأت في قراراتها ظلما سعت إلى رفعه من خلال سلب الهيئة قواها القانونية التي تستند عليها وذلك بتفسيرات واهية لنصوص المواد في محاول لتحجيم صلاحيات الهيئة أو مدى تأثير قراراتها ساعون بذلك لأن تصبح هذه المؤسسة شكلا بلا مضمون أو لتصبح معبرا يمر من خلاله من يريد إقناع الناس بمصداقية افتراءاته بعلامة "وافقت هيئة السوق المالية".
لم تنصبني الهيئة مدافعا عنها فلها من القدرات والوسائل ما يفوق وبغنى عني ولكن وعلى الرغم من صغر عمر هذه المؤسسة التي بالكاد أكملت السنتين, إلا أنها تواجه محاولات الوأد بعد أن ظهر للعديد أنها مؤسسة مستقلة وذات سيادة وترجع بقراراتها إلى رئيس مجلس الوزراء وأن ولاة الأمر عندما أقروا هذه الهيئة كان مقصودهم ـ كما ينص نظام الهيئة - حماية المستثمرين ودعم الاقتصاد وليس إضفاء الشرعية على الفوضى. لذلك رأى البعض من كبار المستثمرين أنها أصبحت حجرة عثر أمام طموحاتهم وإمبراطورياتهم لذلك سعوا بلا هوادة إلى التشكيك في مشروعية بعض قراراتها أو سندها القانوني ومحاولة تفريغ هذه القرارات من مضامينها من خلال المطالبة بنزع الصلاحيات التنفيذية لقرارات الهيئة من يدها أو محاولة إدخال عملية القرار في دهاليز البيروقراطية بأسوأ صورها وذلك لتعطيل أو إلغاء تنفيذ القرارات المهمة والمؤثرة أو إمكانية فتح ثغرات في نظام الهيئة للسيطرة عليها عن طريق لجان وهيئات خارج الهيئة نفسها.
إن هيئة السوق المالية تتعامل مع عصب الحياة وقوام الأمم ألا وهو المال وكما يقال فإن رأس المال جبان يهرب عندما تتفاقم المخاطر وتقل العوائد لذلك كان من أهم القواعد التي بنيت الهيئة على أساسها حماية المستثمرين والمواطنين من الممارسات غير العادلة وهذه الحماية لا يمكن أن تتأتى إلا إذا كانت قرارات الهيئة سريعة ونافذة وفعالة وبخلاف هذا وبإدخال الهيئة في متاهات البيروقراطية واللجان فإن المتلاعبين بالسوق سيتمكنون من تحقيق مكاسبهم ويخرجون من السوق, بينما اللجان تدرس المشكلة وتختلف على الحل لتعم الفوضى من جديد وتفرغ الهيئة من مضامينها.
ولست هنا مع إطلاق يد الهيئة دونما تقنين أو أرضية قانونية جيدة تحميها وتحمي منها. فلا بد لضمان مصداقية قراراتها من ضمان استقلالها وخاصة عن السوق المالية نفسها والمتعاملين فيها. وكما يقول أستاذنا الكبير الدكتور عبد الرحمن الحميد إن الاستقلال لا يخدش وإذا خدش انتهى فلا بد إذا من ضمان الاستقلال الظاهري للهيئة كمؤسسة عاملة فلا تقبل الهبات من المتعاملين في السوق ولا تستمد الهيئة وجودها المادي ولا الشرعي منهم. كما لا بد من ضمان استقلال موظفي الهيئة بمنع جميع أنواع العلاقات الرسمية وغير الرسمية مع المتعاملين في السوق وعدم تملكهم لأسهم في أية شركة طالما هم على قيد العمل في الهيئة ولا أقاربهم حتى الدرجة الرابعة ولا بد من تقديم إقراراتهم بهذا مع تأكيدات مراجع مستقل على هذه الإقرارات. هذا من ناحية الاستقلال الظاهريAppearance Independence أما من ناحية الاستقلال الفكري Mental Independence فلا بد من أن تتضمن الهيئة لجانا تدرس الحالات ولجانا أخرى تصدر الأحكام ولجانا لمتابعة ومراقبة التنفيذ.
إن للسوق المالية في الاقتصاد الحديث أهمية لا يمكن التقليل منها بأي حال وتبعا لقدرة هذه السوق على جلب الرساميل تظهر قوة الاقتصاد ومتانته من خلال دعم وتنمية الاستثمارات وزيادة الناتج القومي وتقليل المعدلات الاقتصادية غير المرغوبة. كل ذلك يتعذر إنجازه طالما كانت هيئة السوق المالية هشة وغير مهابة الجانب مع عدم قدرتها على التدخل في شتى الأمور الاقتصادية أو عدم مشاركتها في ذلك بشكل واسع. وليس أدل على ما أقول من تدخل هيئة السوق المالية الأمريكيةSecurities and Exchange Commission في كل صغيرة وكبيرة ومن ذلك على سبيل المثال الشروط والقيود التي فرضتها على مهنة المحاسبة والمراجعة في الولايات المتحدة الأمريكية والتي سلبتها استقلالها الذي طالما افتخرت المهنة به وقيدت مهام المراجع في الخدمات بخلاف المراجعة وشكلت العديد من اللجان لدراسة هذه القضية وأبعادها, ولنا في ذلك عبرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي