رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


توطين الاستثمار الوطني

قد يبدو العنوان متنافرا في صيغته أو على نحو أدق تهكميا. هذا إيحاء لا يجافي الحقيقة, خصوصا في ضوء الشهية المفتوحة على مداها للاستثمار الأجنبي, لكن كيف يتم توطين الاستثمار الوطني وهو في الوطن؟
لا تستطيع مقالة بهذه المساحة أن تأتي ولو على بعد واحد من أبعاد الإجابة عن هذا السؤال, فما بالنا بالإلمام بالموضوع, فضلا عن أن ذلك يحتاج إلى متخصصين في علوم الاقتصاد والاجتماع والإناسة والسكان وأنا صفر اليدين منها جميعا. بيد أني كشاهد على العصر وتحولاته, وكتلميذ من مليارات التلاميذ في قاعة درس هذا العالم الكبير تلقى على مسامعي مثلهم وتعرض أمامي تنظيرات وأقوال وعروض لا أملك إلا أن أتشاكس معها في الذهن تأملا وتفكرا كغيري من عباد الله الصالحين, إن شاء الله.
الحديث عن الاستثمار الوطني, حديث عن التنمية الوطنية, عن المرتكزات التي تنهض عليها البرامج والمشاريع التنموية والتي من أبرزها التمويل والقوى البشرية وبيئة التنمية أو الأعمال المساندة وفوقها وحولها ومعها الإطار التنظيمي العام أي البنية الإدارية العامة المعنية باستنبات الخوارق وجعل المستحيل واقعا ووقائعا.
وفي حالتنا السعودية والخليجية بشكل عام ـ في ظل توافر الطاقة النفطية والثروات المعدنية والطبيعية الأخرى, لا يمثل التمويل قضية أو مشكلة أساسا إذا ما تم إحداث نقلة نوعية في محتوى القيمة الاقتصادية لتلك الثروات من ناضبة إلى أصول, من طاقة وخامات استهلاكية إلى صناعة تنفلت من أسر البتروكيماويات ومثيلاتها إلى كل المنتجات التي تحتاج إليها البشرية مما لا يخطر بعد على البال بل هي في قبضة العلم ليست بحديث خرافة.
كذلك يمثل إنشاء صندوق للنفط نضخ فيه بعض الموارد المالية خطوة استراتيجية أخرى توفر التمويل للاحتياجات الاستثمارية الحيوية اليوم وتدخر للتحولات المستقبلية سندا ودعما تمويلا متناميا من خلال عوائد الدورات الاقتصادية لأمواله الموظفة في المشاريع والبرامج التي استنهضها.
أما القوى البشرية فعوضا عن تركها لإحساسها بأنها فائض عن الحاجة موزعة مشاعرها تحت رحمة جدل بيزنطي بين السعودة والإحلال وبين الحد الأدنى للأجور وصدقات صندوق الموارد البشرية ونخوة وزارة العمل وشهامة القطاع الخاص, فإنه لا بد من إعادة صياغة مواطنيتها من خلال الاستثمار نفسه, بمعنى جعلهم في صلب التمويل للمشاريع نفسها بحيث يتم بناء هذه القوى البشرية في كل مفاصل المشروع أو البرنامج من التخطيط والإدارة إلى التنفيذ يدربون ويهيأون ويتم إدماجهم فيها. هذا الاتجاه كفيل بقفل باب الحديث عن العمالة الوافدة وعن بقية حدوتة بيزنطية السعودة.
أما بيئة التنمية أو الأعمال المساندة للاستثمار الوطني فليست مقصورة على المكان وتجهيزاته, فذلك تحصيل حاصل, إنما هي العلم والتقنية وقواعد المعلومات والبيانات, هذا بُعد ينبغي أن يسرى عليه ما يسرى على القوى البشرية ونهوضها مع المشروع فقد ظل توفير الأعمال المساندة على مدى الأعوام السابقة يتكئ على الرث, العشوائي, والاجتهادي من المعلومات والبيانات, الأمر الذي جعل معظم قواعد البيانات والمعلومات الوطنية هشة, فقيرة, متضاربة, غير دقيقة, ودع عنك أنها في وارد الشمول أصلا, لذلك ينبغي أن يولد المشروع الاستثماري ومعه, علاوة على التمويل, وقواه البشرية, بيئة العمل المساندة لكي يكتسب هويته الوطنية قلبا وقالبا.
على أن كل تلك الأبعاد مرهونة بالإطار التنظيمي العام أي بالتوجيهات والضمانات والقرارات التي تصدرها الدولة والتي هي بمثابة الرؤية في سبيل صناعة التنمية بتوطين استثماراتها, بحيث تتم المبادرة إلى ترجمة هذه الرؤية عمليا من قبل أجهزة الدولة من وزارات ومؤسسات سواء خدمية أو تمويلية أو إشرافية وأن يتم فعل ذلك بحماس تحت نور شمس الضمير وقوة الإرادة, بعيدا عن مغالطات التخفف من المهام بإلقاء التبعة على هذه الجهة أو تلك ودون تنصيب للحواجز أمامها بالتحوير أو التعديل أو التأجيل أو التبرير أو التعذير.
كأني بالبعض وقد بلغ بقراءته عند هذ الحد غير قادر على أن يكبح رغبته في هز الرأس أو الضحك سخرية مما ذكرت, باعتباره كلاما طوباويا, أشبه بأضغاث أحلام... وسواء كان الأمر كذلك أو لم يكن, فهذا جزء من حرثي في البحر.. لكنني على قناعة بأن هناك غيري كثيرون كثيرون من أقصى الوطن إلى أدناه, يشاركوني الحلم بصدق بأن يتم توطين الاستثمار الوطني في الوطن.. وعلى أية حال: وكما قال الكاتب الأمريكي العظيم أميرسون: كل إصلاح تم كان يوما "ما" مجرد رأي خاص!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي