رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الصب تفضحــه عيونــــه!

اتسم وقع الحياة العامة في المملكة حتى مطلع الثمانينيات من القرن العشرين بالدعة والهدوء والطمأنينة, وكانت الفرص المتاحة يومئذ على الرغم من قلة الموارد المالية كافية, أو هكذا بدت, لتلبية تطلعات غالبية شرائح المجتمع دون الحاجة إلى تزاحم أو تصادم. لكن هذه الطمأنينة التي كان ينعم بها المجتمع والعقلانية في السلوك ما لبثت أن تبدلت مع زيادة دخل النفط (الطفرة الأولى) إلى ركض متواصل لجمع أكبر قدر من الأموال بصرف النظر عن الوسيلة المتاحة للإنتاج أو الأسباب المهيأة للكسب. وقد صحب تلك الفترة, فيما صحبت, ظهور سلوكيات اجتماعية مازال بعضها معنا إلى يومنا هذا .
من تلك السلوكيات التي كان من السهل رصدها الزيادة الكبيرة في الشكاوى الكيدية المقدمة من مواطنين ضد مواطنين آخرين أو مسؤولين, ما دعا الجهات الرسمية إلى عدم قبول أي شكوى ما لم يكن مقدمها شخصا حقيقيا له عنوان معروف يمكن من خلاله التواصل معه حول موضوع شكواه, وقد أفضى هذا التنظيم إلى تقليص الشكاوى الكيدية إلى حد يمكن القول معه إن ذلك الأسلوب التقليدي للنيل من الآخرين قد اختفى, ولم يعد ذا شأن. لكن الأسباب التي قد تدفع البعض إلى مثل هذا المسلك مازالت جذورها قائمة في المجتمع يغذيها تراجع القيم والأخلاق وهيمنة الجوانب المادية كمحرك أساس للعلاقات بين الناس, لذا برزت أساليب وأدوات جديدة للإساءة للآخرين تتفوق في خطورتها وآثارها على الأسلوب التقليدي للشكاوى الكيدية.
فمثلاً, أصبحت اليوم منتديات الإنترنت تشّكل حيزاً رحباً وفضاء خصباً للكثير من الشائعات والطروحات المغرضة ضد أفراد وجماعات وكيانات اقتصادية من قبل أطراف مجهولة المصدر في الغالب أو مشبوهة الهوى. ليس هذا فحسب بل عادة ما يتستر أصحاب هذه الطروحات برداء المصلحة العامة مما يساعد على إخفاء وحجب الجانب الكيدي في الموضوع عن الكثرة من المتلقين وكذا تمريره من موقع إلى آخر بعد زيادة هنا وحذف هناك حسب الحال. ولا تقتصر جسامة ضرر هذه الوسيلة للإساءة والتشويه على سعة انتشارها فقط, أو أن استخدامها ميسر ومتاح لمن يشاء، بل الأكثر إيلاماً أن دائرة ضررها لا تقف عند حمى الطرف المستهدف إذ تتعداه للإيذاء بمصالح اقتصادية ومراكز معنوية لأعداد كبيرة من أفراد المجتمع
 وكأن هذا الفضاء الواسع لمنتديات الإنترنت ليس كافياً, لجأ البعض وهم قلة نسبياً إلى فتح نافذة جديدة لممارسة أوجه الإساءة والإرجاف عبر ما ينشرونه من مقالات أو أعمدة تحت الستار المألوف ألا وهو المصلحة العامة! وعلى الرغم من أن هذه الكتابات يستطيع القارئ ربطها باسم وصورة إلا أن ذلك لا يجعل ضررها أقل وطأة من تلك النابعة من مصادر مجهولة أو أسماء مستعارة. حتى تلك الكتابات الساذجة في ظاهرها تحمل بين سطورها جرعات مركزة للتلبيس على القارئ والتشويش على خياراته فيما يخص مستقبله ومجتمعه. لكن القارئ الفطن المتابع يستطيع, إن شاء, تفكيك ما قد يبدو من غموض في تلك الطروحات وذلك بنقل كاتبها من مكانه مجازاً إلى وسط المقال ثم اقتفاء أثر خطواته في المسار الذي سلكه بين الوسط والأطراف جيئة وذهاباً فحتماً ستفضحه آثار أقدامه كما الصب تفضحه عيونه.
وأياً كان الحال, فإن الكتابات الكيدية مهما كان منبرها أو شكلها فهي ضارة بالمجتمع وتعوق نموه الاقتصادي ناهيك عن الأذى الذي قد تلحقه بأبرياء, كما أن هذا السلوك غير السوي لا ينسجم مع سجايا الفرد المسلم . ولنتذكر جميعاً قول الله تعالى في الآية (53) من سورة الإسراء "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً" صدق الله العظيم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي