نداءات المزارعين إلى الملك.. وقفة تأمل

لا يتنازع اثنان حول أهمية الزراعة بالنسبة إلى المملكة وسكانها على مر الأطوار التاريخية لشبه الجزيرة العربية, فقد كانت عنصر الاستقرار الأول للسكان, ومصدر العيش الأهم ومجال العمل الأوحد. وبسببها تكونت الحواضر والمدن والتجمعات السكانية, ونمت وازدهرت, وليس منا من لا يدين للزراعة في حياته بشيء.
ومع بروز أسباب ومقومات أخرى للعيش صاحبت التقدم العلمي والتقني الذي أفرز ثورة في مفاهيم الحياة ووسائلها المتصلة بأنماط العيش, والمؤثرة فيها, بحيث تنوعت أسباب الحياة ومصادر الرزق, قل الاعتماد على الزراعة كوسيلة وحيدة للعيش, بيد أن شرائح كبيرة من السكان بقيت متمسكة بالأرض ومعتمدة على الزراعة كمهنة وانتماء وتراث.
وقد أدركت الدولة منذ عقود أهمية الزراعة للسكان, فوفرت من وسائل الدعم والتحفيز ما قل أن توفره دولة أخرى, بدءا من القروض الميسرة والإعانات غير المستردة, التي شملت كل ما يتصل بالزراعة من آبار ومضخات وآلات ومصانع وحتى الحظائر وشبك الحماية, كما شملت ضمان شراء المنتجات بأسعار تجاوزت تكلفتها بمراحل وشملت فيما شملت توفير الطاقة الكهربائية بتكلفة تقل عما يدفعه سائر المواطنين.
وبفضل هذا الدعم غير المحدود تكونت ونمت لدينا صناعات زراعية أضحت تمثل كيانات اقتصادية تسهم في زيادة معدلات النمو الاقتصادي والناتج المحلي, وتضخ إلى الأسواق منتجات في غاية الجودة والنظافة ومعقولية الأسعار. انظروا مثلا إلى مشتقات الألبان والعصائر والدواجن, لتجدوا بالمقارنة أنه لا يوجد بين الدول النامية أو المحيطة ما يشابه وضع المملكة, الذي قد يفضل وضع بعض الأسواق في الدول المتقدمة.
لقد خطرت في بالي وأنا أكتب هذه الجزئية, ذكرى تعود إلى عقدين أو زيادة عندما كنا مجموعة من الطلبة وصلنا لتونا إلى الولايات المتحدة للدراسة, وأدهشنا وضع الأسواق (السوبر ماركت) وما تحويه من تنوع في مشتقات الألبان, وأخذنا نتبادل سؤالا حائرا مفاده: هل سنرى أسواقنا في يوم من الأيام تعج بمثل هذه المنتجات؟ وها نحن نرى وضعا يكاد يكون أفضل مما رأيناه, ويتكرر السؤال, ولكن بصيغة أخرى: هل كان يمكن لذلك أن يتحقق لولا الدعم الذي لقيه القطاع الزراعي؟
هذه مقدمة تداعت أمامي وأنا أطالع ما يظهر على صفحات كاملة من الصحف المحلية في الآونة الأخيرة من نداءات موجهة إلى خادم الحرمين الشريفين, تحمل في طياتها الشكوى من بعض ما يعانيه المزارعون في بعض مناطق المملكة, وتطالب بتدخل خادم الحرمين الشريفين لإجابة مطالبهم التي من ضمنها خفض سعر المحروقات والأسمدة وزيادة سعر القمح الذي تشتريه الدولة من المزارعين, وتسهيل استقدام العمالة الأجنبية التي يحتاج إليها المزارعون.
ولا مشكلة لدينا, فيما أعتقد, في أن يتصل المواطن بالمسؤول سواء في أعلى هرم السلطة أو أدناه, لرفع شكواه ومطالبه, إذ الأبواب مفتوحة, كما هو معروف, ولكن الإشكال يكمن في إشغال الرأس الهرم بأمور يمكن بحثها مع المسؤولين المباشرين لها, أو أمور تحكمها أنظمة وقواعد وقرارات يتطلب الأمر الرجوع إليها ودراستها من قبل متخصصين لمعرفة ما إذا كانت بحاجة إلى تعديل أو إلغاء. والإشكال الآخر هو في استخدام صفحات كاملة مدفوعة الأجر لنقل الشكوى, في وقت تتوافر فيه وسائل أخرى لعرض الحال.
أليست الوزارات وما يتبعها من إدارات وفروع منشأة لخدمة المواطنين وبحث مطالبهم؟ وتعد بحكم تخصصها ومسؤولياتها هي الأقرب إلى ملامسة المشاكل ومعرفة مواطن الخلل؟ أم أن لدينا خللا في التنظيم الهيكلي والمؤسسي للجهاز الإداري الحكومي يجعل الكل يلجأ إلى رأس السلطة متجاوزا التسلسل المنطقي لحدود المسؤوليات؟
هل يعلم الجميع مثلا أن تلك النداءات قد أدت إلى رفع مؤشر الأسهم الخاص بالقطاع الزراعي بصورة ملحوظة, نتيجة إيحاءات وشائعات من بعض المضاربين المنتفعين مفادها أنه ستكون هناك استجابة سريعة لتلك المطالب؟ وعندما تحقق لهم ما يستهدفون, وهو تحريك الأسعار إلى الأعلى, بادروا إلى بيع ما يملكون وجني الأرباح, على حساب صغار المستثمرين الذين بقوا يصارعون الأوهام ويجترون الأحلام.
أعود إلى بعض المطالب فأقول حول موضوع القمح والشعير مثلا, إن الدولة لم تصل إلى قرار تحديد الأسعار الحالية التي تشتريه بها إلا بعد أن قتل الموضوع بحثا ودراسة, وبعد أن قتل فينا الموضوع نفسه أمل الحفاظ على الثروة المائية التي تكونت عبر آلاف السنين, لكي نأتي متفاخرين بالطفرة المالية التي تفيض بها جيوبنا ونسخرها لتبخير الثروة المائية خلال برهة وجيزة, بحساب الزمن, ونتعدى بذلك على حقوق الأجيال المقبلة من أحفادنا في هذه الثروة, لكي نقول عن أنفسنا أو يقال عنا إننا حققنا الاكتفاء الذاتي ووفرنا الأمن الغذائي, حتى لو كان ذلك على حساب ما هو أهم, وهو الماء, الذي أخذنا نلهث وراء البحث عنه في أعمق طبقات الأرض, ونبز غيرنا ونفتخر بأن لدينا من معامل تحلية المياه من البحار ما لا تملكها أي أمة أخرى, رغم ما يتطلبه ذلك من إنفاق هائل على الإنتاج والتشغيل والنقل والتوزيع.
أما موضوع العمالة وتسهيل قدومها فإنه قد ينطوي على المزيد من الإضرار بالقطاع الزراعي نفسه, المتمثل في التستر المستفحل في الزراعة إنتاجا ونقلا وتسويقا, ألم يكن المزارعون أنفسهم يشكون من سيطرة العمالة الأجنبية وتحكمها في أمور الزراعة بطرق متعددة, منها استحواذهم على الأرض عن طريق التأجير المنتهي بالتدمير, وانتهاك التربة بالمبيدات والكيماويات التي تتسلل إلى بطوننا وتورثنا أنواعا شتى من العلل والأمراض, ومنها السيطرة على الإنتاج نقلا وتوزيعا, جملة وتجزئة, بحيث لا يصل إلى يد المزارع الذي يملك الأرض والقرض والبئر والمضخة إلا ما يجود به العامل الأجنبي عليه من إيجار زهيد لا يساوي شيئا بحساب قيمة وتكلفة عنصر واحد هو الماء؟ ومع ذلك, ورغم ذلك, نطالب بتسهيل قدوم المزيد من هذه العمالة التي لا تحسن من مبادئ الزراعة وأدبياتها غير الحرص على مصالحها, والبحث عن النقود بأي ثمن, ولا يخلو الأمر, في غالب الأحيان, كما هو معروف, من تكتلات واتفاقات غير معلنة بين فئات من هذه العمالة على السيطرة والتحكم, والانفراد والإبعاد لأي مزارع يتولى تدبير أمور مزرعته بنفسه, إنتاجا ونقلا وتسويقا, خوفا من منافستهم, أو كشف بعض أسرارهم, مما أدى إلى عزوف الكثير من المزارعين عن مزارعهم وتسليمها للعمالة.
حتى النخيل وإنتاج التمور الذي يعد واحدا من المكاسب الاقتصادية التي حققناها بفضل الدعم والتشجيع الحكوميين, لا تخلو من التستر, بحيث يتولى العامل الأجنبي معظم وسائل ومراحل الإنتاج, ظاهرا وباطنا, ويضطر المزارع الذي يحاول التمسك بجذور وجذوع نخلته أن يبيع الإنتاج في رأس النخلة للعامل بثمن قد لا يصل إلى نصف نصيب العامل, فيذهب الكسب الأكبر إلى جيب العامل, وهذا يحصل غالبا بعد تجربة المزارع جني محصوله وتسويقه بنفسه ليجد النتيجة نفسها أو أسوأ منها.
لقد قدر لي, كما هي رغبتي في بعض الأحيان, أن أذهب إلى ساحة جلب التمور في السوق المركزية في عتيقة خلال شهر رمضان الماضي, ودهشت عندما لاحظت أن أسعار معظم أصناف التمور باستثناء ثلاثة أو أربعة أصناف قد لا يساوي تكاليف الجني (الحزاف أو الصرام بلغة أهل نجد) والنقل والتعبئة, والتكييس والكرتنة (تتم تعبئة التمور في أكياس نايلون داخل كراتين). علما بأن البيع في معظم الحالات يتم من قبل الوسيط (أي الشريطي) الذي قد لا يكفيه مضاعفة السعر الذي اشترى به من المزارع, وأخذت أسأل: يا ترى ما حصيلة المزارع من هذا كله؟
كما نقل لي قريب مثلا آخر وهو أنه حاول مرة زراعة البصل وتسويقه بنفسه كي يفاجأ بعد جني المحصول وتنظيفه وتعبئته في أكياس خاصة بالبصل ونقله إلى حيث تجلب المنتجات الزراعية, أن الكيس الذي لا يقل وزنه عن عشرة كيلو جرامات لم يدفع فيه الشريطيون جملة سوى أربعة ريالات, فعدل عن البيع وقام بتوزيعه على أقاربه.
كاتب في الشأن العام

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي