احذر! القوائم المالية ربع السنوية قد تكون مضللة
لا يلتزم معدو القوائم المالية بالثبات, بمعنى أن تختلف طرق القياس والعرض والإفصاح من فترة مالية إلى أخرى أو من شركة إلى شركة. وعدم الثبات له درجات منها ما قد يصل إلى جعل القوائم المالية ككل مضللة ومنها ما دون ذلك. وله أيضا, أي عدم الثبات, أسباب منها تعمد تضليل القارئ ومنها ما هو لظروف النشر.
بداية أود أن أشير إلى أن عنوان المقال يجب أن يقرأ بحذر فكلمة (قد) تعني الاحتمال, ومعنى ذلك أن التضليل قد يطول بعض الحالات وليس كلها. إن الهدف الرئيس من القوائم المالية عموما هو إيصال معلومة واضحة حول الوضع المالي ونتائج الأعمال عن فترة مالية مضت. قد يصاحب هذه القوائم عرض مقارن مع فترات مالية مماثلة وسابقة بسنة أو بعدة سنوات لأنه ما زال يعتقد أن هذه المقارنات تقدم معلومات تساعد متخذي القرار. وعلى الرغم من ذلك تبقى محدودية هذه المعلومات تتأثر بمعياريتها, بمعنى أن القوائم المالية محكومة بالمعايير المحاسبية GAAP التي تنظم عمليتي القياس والإفصاح عن المعلومات الواردة بها. و بالطبع فإن هذه المعايير تحد من حرية المحاسبين على إبراز المعلومات وقد تحد أيضا، وهو الأهم، من تلاعبهم. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تفيد المعيارية في جعل القوائم المالية للشركات قابلة للمقارنة.
إن المعايير تلزم المحاسبين, عند إعداد القوائم المالية, بأساليب وطرق معينة تقوم على إعدادها ومتابعة تنفيذها هيئات المحاسبة والمراجعة. كما تقتضي هذه المعايير الثباتConsistency في اتباع الطرق والسياسات المحاسبية من فترة إلى أخرى والإفصاح عن تأثير الخروج عن أو التعديل في هذه السياسات على القوائم المالية وخاصة رقمي الأرباح والتدفقات النقدية. بدون مثل هذا الثبات تفقد القوائم المالية خاصيتي إمكانية المقارنة ومتابعة أثر التطورات الاقتصادية على مستوى المنشأة Micro- وعلى مستوى الاقتصاد ككل Macro- . بعد ذلك يأتي دور مراجع الحسابات ليضفي الثقة بتوقيعه، كطرف محايد ومستقل، على أن القوائم المالية قد أعدت وفقا للمعايير المحاسبية الصادرة بشأنها ويكون بذلك مسؤولا متضامنا مع الإدارة على أن هذه القوائم خالية من الأخطاء الجوهرية التي قد تضلل مستخدميها.
يتضح مما سبق أن المشكلة تظهر عندما لا يلتزم معدو القوائم المالية بالثبات, بمعنى أن تختلف طرق القياس والعرض والإفصاح من فترة مالية إلى أخرى أو من شركة إلى شركة. وعدم الثبات له درجات منها ما قد يصل إلى جعل القوائم المالية ككل مضللة ومنها ما دون ذلك. وله أيضا, أي عدم الثبات, أسباب منها تعمد تضليل القارئ ومنها ما هو لظروف النشر على صفحات الصحف. يظهر دور مراجع الحسابات عندما يمس عدم الثبات السياسات المحاسبية التي تجعل القوائم المالية مضللة وللأسف يختفي عند ظروف النشر, وخاصة نشر القوائم المالية ربع السنوية. من ذلك اختصار بنود القوائم المالية بدمجها تحت أرقام إجمالية دون التفاصيل وقد يكون لهذا الأمر ما يسوغه في أرقام الأصول الثابتة مثلا ولكن في رقم الأرباح قد يكون مثل هذا الإجراء مضللا لأسوأ أن يكون هذا التضليل متعمدا. ربما لا تظهر هذه المشكلة مع الربع الأول ولكنها تتفاقم حتى الربع الثالث. فمن خلال قراءات لعدد من القوائم المالية ربع السنوية لبعض الشركات لوحظ أن مصادر رقم الأرباح التي تم رصدها في الربع الأول تم إخفاؤها في الربع الثالث فيظهر رقم الأرباح في هذا الربع إجماليا دون توضيح لبعض مصادره. ولقد تم رصد تأثر العديد من المحللين بهذه المعلومة، حيث تمت المقارنات مع شركات مثيلة أو مع سنوات سابقة دون الإشارة إلى مثل هذا التصرف وتفصيلاته.
عادة ما يتم نشر القوائم المالية ربع السنوية على أقل من ربع صفحة يصحبها تأكيدات المراجع, ورأي المراجع هنا لا يعني أن القوائم المالية لا تحتوي أخطاء جوهرية ولا يعني كذلك مسؤولية المراجع عن ذلك. إن القوائم الملية ربع السنوية دوما يضاف إليها عبارة، إن الأرقام الواردة فيها القوائم المالية غير مدققة، وهذا يعني أن المراجع لم يقم بإجراءات المراجعة التفصيلية للتأكد من خلو هذه الأرقام من الأخطاء الجوهرية. والسؤال الآن هو, إذا كانت الحال هذه, ما الداعي لتقرير المراجع.
إن المراجع يقدم من خلال تقرير رسائل إلى مستخدمي هذه القوائم وهذه الرسائل تختلف من حالة إلى حالة. إن واجب كل من يتعامل مع الشركات والمعلومات التي تقدمها من خلال قوائمها المالية أن يتعرف على هذه الرسائل ودور كل منها. من هذه الرسائل التأكيدات التي يقدمها مع القوائم ربع السنوية التي تعني بالضبط إمكانية الثقة بنظم الرقابة الداخلية للشركة التي أدت إلى ظهور هذه الأرقام، كما يعني إمكانية المقارنات بالفترات السابقة لاتسام هذه القوائم بالثبات. ولكن بالطبع تبقى مسؤولية المراجع محدودة جدا في هذا النطاق, وتبقى مسؤولية خلو هذه الأرقام من الأخطاء الجوهرية مسؤولية الإدارة.
لا شك في أن القوائم ربع السنوية مهمة لسوق المال لأنها تمد السوق بمعلومات عن أداء الشركات أولا بأول ولكنها أيضا قد تستخدم لأغراض أخرى إذا سيء استخدامها من قبل الإدارة أو فهمها وحدودها من قبل مستخدميها. لذلك ولتجنيب السوق مثل هذه الآثار وللمحافظة على ما تقدمه هذه القوائم من معلومات مفيدة لابد من أن يعي القارئ أهمية متابعة أداء الشركة خلال الاطلاع على الفترات السابقة للسنة نفسها وأيضا مع الفترة نفسها من السنة السابقة، ولا بد أن يكون لدى الشركة تبريرات عن أسباب الاختلافات غير المتوقعة. كما ولا بد أن تدعم القوائم المالية ربع السنوية بتقرير الإدارة وتوضيحاتها ومرئياتها ومسؤوليتها عن المعلومات الواردة بهذه القوائم ولا يكتفي بمجرد النشر البارد لهذه المعلومات. كل هذا ربما لا يتحقق ما لم تتدخل هيئة سوق المال وهيئة المحاسبين القانونيين للحد من الآثار السيئة المصاحبة لهذه النقطة الحيوية.