رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الإصلاح الإداري لا يعني التطوير الإداري 2/2

ذكرت في المقال السابق أن إطلاق العنان للبيروقراطيات (الأجهزة الحكومية) في عملية صنع القرار العام بما يتضمن وضع التشريعات وسن القوانين دون رقابة سياسية من جهة مستقلة كالمجالس النيابية مدعاة للتفرد بالسلطة ما يؤدي إلى الفساد الإداري لأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. وتوصلنا إلى أن هذا الوضع أوجد ثقافة إدارية تستند إلى أن المستفيد من الخدمة يستجديها من الأجهزة والإدارات الحكومية بدلا من أن تزف إليه باحترام وتقدير والتطلع إلى إرضائه. وقد بينا أن المستفيدين لا حول لهم ولا قوة وأنهم تحت رحمة الموظف إن رغب أنهى المعاملة في لحظات وإن لم يرغب ألقاها في غياهب أحد الأدراج إلى أن تنتهي متعته في التسلط وإذلال الآخرين!
لقد أشرنا إلى أهمية التفريق بين مفهوم الإصلاح الإداري والتطوير الإداري, وأن ما يلزمنا في الوقت الحاضر هو الإصلاح الإداري وهو إحداث تغيير في الثقافة والنظام الإداري وليس تحديث النظم وإعداد برامج تدريبية وتعيين قيادات إدارية لا تتعدى كونها تطويرات ظاهرية. فمع أهميتها إلا أنها لا تستطيع إحداث التغييرات المطلوبة طالما أنها تدور في الفلك الإداري ذاته بثقافة تعدم الشفافية والمساءلة والرقابة السياسية من مجالس تشريعية. في نهاية المقال أثيرت بعض الأسئلة سنحاول التعرض إليها, ولا بأس من تذكير القارئ الكريم بها:
أين نحن متجهون؟ وما نحاول تحقيقه؟ هل هناك بناء للخبرة الإدارية؟ هل هناك متابعة وتقيم مستمر للأجهزة الإدارية؟ ما معايير تقييم الإدارة الناجحة؟ هل مديرو الإدارات العليا مطالبون بتقديم سياساتهم وخططهم المستقبلية حين توليهم مناصبهم؟ كيف نميز بين القيادات الإدارية الناجحة وتلك التي لا تمتلك قدرة إحداث تغيير الأشياء إلى الأفضل؟ كيف يمكن التطوير وما زالت لدينا أنظمة مالية بالية مبنية على ثقافة أن الأشياء من حولنا ثابتة لا تتغير؟ كيف نتقدم إداريا والمدير مطالب بأن يكون روتينيا حتى الجمود لا مبدعا ولا مبتكرا؟ هل القوانين في خدمة الناس أم الناس في خدمة القوانين؟
إن أول ما يجب بحثه في الإصلاح الإداري هو وضع استراتيجية وطنية واضحة المعالم تنقلنا إلى نظام إداري يستند إلى قيم الكفاءة والفاعلية وأهم من ذلك قادر على استيعاب الرأي العام والتعرف على احتياجات ومتطلبات أفراد المجتمع والاستجابة لها. إن القانون يشكل المسار الأساسي الذي يمكن تحقيق مثل هذه الاستراتيجية. قانون عام يحقق العدالة ويحدد الصلاحيات والأدوار للأجهزة الحكومية. قانون يعتمد الفصل بين السلطات الثلاث والموازنة والمراقبة بينها لضمان عدم تركز السلطة في جهة واحدة. قانون مبني على اللامركزية ومنح صلاحيات مالية وإدارية حقيقية لسلطات المناطق والمحليات. إن أفضل طريقة لأداء الأعمال الحكومية هو جعل المستفيدين منها مباشرة يحددونها نوعا وكما وتكلفة. إن الخلط بين الشأن الوطني والإقليمي والمحلي أحد المعضلات والإشكاليات التي نواجهها. لم يعد بالإمكان تجاهل أهمية القرارات المحلية فيما يتعلق بالتنمية المحلية وأن أهل المدن أدرى بما يحتاجون إليه. لقد آن الأوان لأن يتحمل سكان المدن مسؤولية إدارة مدنهم, لكن كيف السبيل إلى ذلك وليست هناك سلطة واحدة للمدينة مسؤولة عن القرار المحلي؟ فحتى الآن الخدمات تقدم عن طريق فروع الوزارات دون أن يكون هناك ترابط قانوني واضح بينها ودون تنسيق شامل لجهودها, فترى كل وزارة لها تقسيماتها لنطاق الإشراف الإداري الجغرافي وخططها المستقلة عن الأخرى. وما حفريات الشوارع منذ حين إلا دليل واضح لعدم التنسيق, فضلا عن بعض التناقضات بين سياسات الوزارات بسبب غياب سلطة مرجعية محلية مسؤولة عن اتخاذ القرارات المحلية التخطيطية والسياسات والتشريعات وتحديد الاحتياجات التنموية. إن الاعتماد على البيروقراطيات المركزية وفروعها في توفير الخدمات العامة يشتت الجهود ولا يحتوي ولا يستوعب الاحتياجات الفعلية لسكان المدن. فالبيروقراطيات همها تنفيذ الإجراءات الروتينية ومعاييرها الداخلية في إطار التسلسل الهرمي للسلطة ومركزية القرار والاتصال والتوجيه من أعلى إلى أسفل دون أخذ آراء الموظفين المتعاملين مباشرة مع الجمهور والاطلاع على مجريات الأمور. وهكذا تنتقل ثقافة التفكير السلطوي والاتصال في اتجاه واحد للموظفين تقليدا واحتذاء بمن فوقهم.
إن إحداث هذه التغييرات الإدارية على المستوى الكلي للنظام الإداري من شأنه تهيئة الظروف الموائمة لإحداث التغيير على المستوى التنفيذي. عند هذا المستوى يستلزم وضع معايير للأداء لكل جهاز حكومي ومن ثم وصف دقيق لكل وظيفة وربط الترقية والعلاوة بالأداء. معايير أداء الموظف ليست الكمية وحسب ولكن حسن التعامل والتفاني في خدمة المراجعين. ولضمان تحقيق ذلك تصاغ عدة أحكام رئيسة تتعلق بشكاوى المراجعين وتبعاتها على المسار الوظيفي للموظف. التقييم يكون لجهة تشريعية نيابية مستقلة لها كامل الصلاحية في الاستجواب وتقييم الأداء وإقالة الموظف المتقاعس.
إلا أنه لا يمكن مطالبة مديري الإدارات بعمل الأفضل والنظامين المالي والإداري لا يهيئان الفرصة لذلك. فالنظام المالي عقيم وضع لمراقبة الريالات القليلة...! النظام المالي جامد يشجع على الصرف في غير محله. النظام المالي في ظاهره الحفاظ على المال العام ولكن واقعه هدر إما لحرص غير مبرر أو إنفاق في غير محله. النظام المالي يهتم بالإجراءات المحاسبية الروتينية على حساب الأداء وتحقيق أهداف محددة، فليس هناك ربط بين الصرف والأداء. الصورة الكبيرة غائبة تماما وإغراق تام في التفاصيل وهكذا تضيع الجهود في دائرة مفرغة فنسمع جعجعة ولا نرى طحنا! إنها مأساة إدارية ووضع إداري يشجع على التراخي وعمل القليل والرشوة والمحسوبية.
الوضع الإداري الحالي لن يكون قادرا على استيعاب المستجدات والمتغيرات التي نشهدها على الساحة الداخلية والخارجية. على الصعيد الداخلي هناك متغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية وسكانية كبيرة. لم يعد بالإمكان أن نغفل التغيرات الثقافية والنضج السياسي لدى الأفراد وظهور أنماط جديدة للاستهلاك والتغيرات في الحاجات العامة وتطلعات الناس وتطور تقنية الاتصال والتواصل مع الثقافات الأخرى. أما على الصعيد الخارجي فقد يكون الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية أهم التحديات التي تواجه الجهاز الحكومي في تهيئة الظروف المناسبة لجلب الاستثمارات الخارجية بتحسين الخدمات وتوفيرها في الوقت المناسب بالكمية والتكلفة المناسبتين.
إن المعضلة التي تواجه الأجهزة الحكومية هو أنه لم يكن هناك جهود لبناء الخبرات وتطوير التعليم النظمي. تركزت الخبرة الإدارية على الإجراءات الروتينية دون خوض تجارب جديدة أساسها الإبداع والابتكار والتجربة والخطأ. فذلك يقتضي مساحة من الحرية والصلاحيات وعرضا للأفكار الجديدة لأداء الأشياء بطريقة جديدة. إنه التغيير الذي ظللنا نخشاه طويلا حتى أصبح حقيقة واقعة يدفع بعدة اتجاهات بعضها يناسبنا ويتفق مع أوضاعنا وبعضها لا نفهمها ولا نستطيع احتواءها. إن ما علينا فهمه في هذه المرحلة الحرجة من حياة الأمة هو أنه يجب أن نتغير قبل أن نُغير!. بمعنى آخر أفضل طريقة للسيطرة على التغيير هو إحداث التغيير! يجب أن نستبق الأحداث ونعد العدة لها بقرارات جريئة حاسمة جوهرية. الأجهزة الحكومية أكثر من مبان فاخرة ومكاتب يملؤها أثاث فاخر وموظفون تزينوا بهندامهم. الأجهزة الحكومية هي سياسات مبنية على أفكار, والأفكار فرضها رأي عام, والرأي العام كان نتيجة نقاشات ومداولات في مجالس نيابية وجمعيات مجتمع مدني. إنه الأداء المميز الأداء الذي يوفر الخدمة بأسهل وأفضل طريقة للمواطنين. الكل واع لما يجب عمله؟ ولماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وعلى أي مستوى؟ كفانا التمسك بالمظاهر الخادعة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. العبرة بالنتائج لا بتقارير ومعلومات تصلح لكل زمان ومكان لا أحد يقرأها! نحن بحاجة إلى ثقافة الإصغاء والبحث عن الحقيقة حتى ولو لم تكن تعجبنا. إنها ثقافة تتطلب طول النفس والتحمل وعدم المكابرة والانخداع بالقول الزائف المنمق وسماع ما نود سماعه فقط! المسألة تحتاج إلى تقدير الأمور تقديرا صحيحا ووضع الحلول الناجعة وهذا لا يتأتى إلا إذا فتحنا قلوبنا وأذهاننا إنصاتا للآخرين وما يطرحونه من أفكار ورؤى لا لسماعهم فقط. لا نستطيع أن نعيش لحاضرنا فقط دون التفكير في مستقبلنا. التخطيط للمستقبل هو الجسر الذي نستطيع أن نعبر من خلاله إلى آفاق أرحب ونحدث التغيير المطلوب لحياة أفضل ولأمة أقوى ومجتمع متماسك يقف صفا واحد ملتحما مع قيادته بأطر قانونية واضحة تحدد الأدوار والمهام والسلطات لا يمكن اختراقه أو زرع الفتنة فيه.
إن خبرتنا الإدارية القصيرة المتواضعة دليل واضح لما نعاني من قصور في جوانب كثيرة. ما يدفع إلى الإصلاح وإحداث التغيير في الثقافة الإدارية. إن ما علينا الاعتراف به هو أننا لم نستوعب القيم البيروقراطية وفي الوقت ذاته لم نستفد من إرثنا الثقافي وما فيه من قيم وتكييفها بما يتناسب مع أوضاعنا الخاصة. القيم البيروقراطية مبنية على القوانين غير الشخصية والتسلسل الهرمي للسلطة والتخصصية لتحقيق الكفاءة والفاعلية وزيادة الإنتاجية وعدالة التوزيع. التنظيم البيروقراطي نتاج حضارة وتجربة إنسانية مختلفة عنا لذا فهي غريبة لم نستطع استيعابها وفهم معانيها وتطبيق قيمها. لذا لم يكن مستغربا أن تكون بيروقراطياتنا هجينا بين قيمنا الاجتماعية والقيم البيروقراطية. فالمكاتب الحكومية مجالس تستضيف الأصحاب والأقارب وتبادل الأحاديث والمصالح الخاصة. أما القوانين فافتقدت روحها والهدف الذي وضعت من أجله في النموذج البيروقراطي الغربي وأصبحت تفهم تجريديا فتارة تكون بوابة كبيرة يدخل منها الأصحاب والأقارب لتساق لهم الخدمات أشكالا وألوانا وعلى أطباق من ذهب وفضة, وتارة تكون سيفا يسلط على رقاب الآخرين ليحرموا من الخدمة وينبذوا في العراء! فهل من وقفة تأمل صريحة وصادقة لفهم أوضاعنا على حقيقتها ومن ثم مناقشتها بكل شفافية وأمانة في حواراتنا الوطنية حتى نخرج بحلول واقعية تحاكي مشاكلنا الجوهرية لا الهامشية أو أعراضها؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي