سوق الأسهم .. عملية اتخاذ القرار والإغراق المعلوماتي
على الرغم من عدد الدورات التدريبية والتأهيلية لدخول سوق الأسهم إلا أن هذه الدورات تغفل أهمية التدريس والتدريب على عملية اتخاذ القرار. ولهذه العملية أهمية تنبع من أن وضع وحركة المؤشر في أي لحظة إنما هي حصيلة مجموع قرارات أصحاب المصالح, فإذا استطاع المستثمر فهم عملية القرار وصناعه فقد يستطيع فهم آليات السوق واتجاهاتها. إن الدخول أو الخروج من سوق يتداول فيها ما يقارب 20 مليارا من الريالات كل يوم عملية خطرة وذات أبعاد كبيرة, وبالتأكيد فإن مدى هذه الخطورة وآثارها إنما تعكس وضع متخذي مثل هذه القرارات وموقعهم. وعلى الرغم من كل هذه الأهمية فإن هذا الموضوع بالذات لم يأخذ حقه من التوعية الإعلامية التي تقودها هيئة سوق المال والدورات التي يعلن عنها كل يوم.
إننا جميعا وبلا استثناء نسعى إلى تعظيم المكاسب وتجنب المخاطر أو على الأقل ـ للمغامرين منا ـ القبول بمستويات محسوبة منها, ومن هنا فإننا وباستمرار نواجه مشكلة قرار سببها وجود نقطة من الزمن ما بعدها يتصف بالغموض وعدم التأكد. وصفة عدم التأكد هذه لها مستويات تحدد حجم المخاطر التي يتعرض لها متخذو القرارات والتي بدورها تحدد مستويات المسؤولية. لذلك وللتعامل مع المشكلة القرارية نسعى إلى الحصول على معلومات تكشف لنا المستقبل, نتجاوز بها الغموض الذي يلف ويحكم مستقبلنا وتنقلنا من عدم التأكد ـ كنتيجة لذلك الغموض - إلى التأكد التام وبذلك نتجنب الخسائر ونعظم الأرباح.
الإشكالية الملازمة لهذا أن المعلومات التي نستخدمها هي دوما معلومات تاريخية, على أساس أن التاريخ يعيد نفسه, ولسبب آخر بسيط هو أن لا شيء آخر متاحا لنا. إننا نستطلع المستقبل بمعرفة وفهم ما حدث في الماضي وبناء على ذلك نحدد الاتجاهات أو المسارات Trends ونرسم من خلالها صورة نتخذها أساسا نبني عليه قراراتنا بالتقدم أو التراجع.
هناك مشكلة أخرى تواجه متخذ القرار ألا وهي جودة المعلومات المتاحة ووقتها. قد نجد معلومات ولكنها غير جاهزة للاستفادة منها, وقد تأتي المعلومات المفيدة بعد فوات الأوان. إن قيمة المعلومة ووزنها إنما يعكسان وقت المعلومة وجودتها. المعلومة التي تأتي متأخرة وفي مستوى جودة منخفض كالمعلومة التي لم تأت. ومن جودة المعلومات حجم هذه المعلومات وكميتها. فكمية المعلومات الضرورية لأي قرار يجب أن تكون مساوية لحجم المخاطر التي يواجهها المستثمر, كما يجب أن تكون متوازية مع قدراته وإمكانياته التحليلية. القضية الكبرى التي تواجه سوق المال تظهر مع ما أسميه الإغراق المعلوماتي.
لا تعتقد أن المعلومة مجانا ولا تكلف شيئا, لذلك فإنه بجانب سوق الأسهم هنالك سوق رائجة للمعلومة تستمد وجودها وجدواها من وجودها. لذلك فإن سوق الأسهم وبخلاف أي سوق استثمارية أخرى تصبح مرتعا خصبا لأنواع وكميات ضخمة من المعلومات, منها ما هو على شكل أرقام أو تصريحات أو حتى مجرد صور من خطوط ومنحنيات, وجميعها يسعى إلى تشكيل معرفة ما وصناعتها, منها ما يستطيع المستثمر العادي معالجته وفهمه ومن ثم استخدامه في نموذجه القراري, ومنها ما قد يستعصى على الفهم لتبقى مجرد معرفة رمزية لا تفعل في نماذج القرار, بل تستبعد منها. هناك معلومات جيدة ومعلومات رديئة, هناك معلومات خام وهناك معلومات معلبة, ولكلٍ تكلفته. هناك مَن يصنع المعلومة بهدف التأثير في قرارات الآخرين لتقليص فجوة عدم التأكد, خاصة أن وهناك مَن يصنعها لمَن يشتريها. تحاول هيئة سوق المال السيطرة على كل هذا من خلال تقديم معلومات موثوقة أو منع المعلومات المزيفة, ومن ذلك ما تم بالاتفاق مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية من حجب عدد من المواقع التي تبث الشائعات لتصنع معلومة تقودها للمستقبل.
على الرغم من كل هذا هناك قاعدة تقول إن الماضي صورة الحاضر, ولا بد أن يحتفظ المستقبل ببعض ما في الحاضر. إن تلك المعلومات التي تبقى هي التي عبرت وسط الركام لترسم معالم الغد. وتبقى القضية قائمة حول أي المعلومات ـ في ظل الإغراق- سوف تعبر إلى المستقبل. إن عملية اتخاذ قرار ـ كما أراها ـ ليست لصناعة الحدث كما يظن الأغلب إنما الأحداث أمر الله, وكان أمر الله قدرا مقدورا. إن عملية اتخاذ القرار التي يجب أن يتدرب عليها كل من يريد دخول سوق الأسهم أو أي سوق أخرى إنما هي قرار تبني معلومة أو مجموعة معلومات من بين الركام لنحملها معنا إلى المستقبل؟ وهناك - في المستقبل - سوف نعرف بالتأكيد إن كان ما اخترناه وتبنيناه من معلومات ـ القرار ـ هو الذي انتقل فعلا ورسم معالم المستقبل الذي أصبحنا نحياه أم كنا مخطئين.