رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التنمية الاقتصادية .. دور الترجمة

تمتعت المملكة في السنوات القليلة الماضية بفائض مالي بسبب ارتفاع أسعار النفط. هذا الفائض يستغل في الاستهلاك والاستثمار أو التوفير, والاستهلاك يأتي حسب الميزانية والحوائج الطارئة, أما الاستثمارات فالسياسة الاقتصادية للاستثمار تحدد قنوات الاستثمار المجدية في المديين القصير والطويل. أحد مجالات الاستثمار هو عنصر المعرفة التراكمية الذي هو من أهم عوامل الإنتاج في الاقتصادات الحديثة. الاقتصاد يتحرك في اتجاه ثابت إلى تعظيم عنصر المعرفة على حساب الماديات المحسوسة كالأراضي والموارد الطبيعية وحتى رأس المال.
هناك فجوات كثيرة في تحصيلنا العلمي والمعرفي لتوطين المعرفة ومن ثم التطبيقات العملية لها. الفترة الانتقالية تتطلب الاقتباس والنقل من معارف الأمم الأخرى حتى نصل إلى مرحلة نستطيع المساهمة في تراكم المعرفة والعلم العملي ويبدأ العالم الآخر يقتبس منا. عمليا هناك عدة آليات للوصول إلى هذا الهدف, إحداها هي الترجمة السريعة لما يكتب هناك في جميع المجالات. ولأننا بصدد المعرفة يجب التركيز على جميع مجالات المعرفة, حيث إن المعرفة تقوم بدور التوعية وانتشار المعرفة لخدمة العامة. فتوسيع دائرة المعرفة في المجتمع يسهم في الوعي الاجتماعي والاقتصادي.
جهود الترجمة العربية ضعيفة ومبعثرة في عدة دول ولم تأخذ دورها الذي تستحقه. هناك حاجة ماسة إلى تأسيس مركز قوي مؤثر للترجمة العربية لخدمة القارئ العربي عموما, كما أن هناك قيمة أخلاقية ذات مغزى في هذا الوقت بالذات لتأسيس صرح مؤثر. للمملكة تجربة رائدة في تأسيس مركز طباعة الحرمين الشريفين للقرآن الكريم في المدينة المنورة, مما قدم خدمة جليلة للمسلمين عموما. فالرسالة العلمية والمؤسسية تصب في كون ديننا وأمتنا يقدران الدين والعلم على حد سواء.
أقترح أن يسمى المركز السعودي للترجمة أو مركز خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للترجمة, يفضل أن تكون هناك مجموعة مختارة من كبار المختصين العرب كلجنة استشارية ربما تحت مظلة مؤسسة الفكر العربي. يحبذ أن تترجم أكبر قدر من الكتب ومن عدة لغات وليس الغربية فقط, بل يجب أن يشمل اليابانية والصينية وغيرهما ولكي ينجح يجب ألا تكون الرقابة ذات منظار ضيق يهزم الهدف المنظور. فالرقابة اليوم تآكل دورها في عالم الفضائيات والإنترنت.
مركز خادم الحرمين الشريفين للترجمة أو المركز السعودي للترجمة يجب أن يأخذ مكانه لخدمة المملكة لتعميم نفوذها ليس للاقتصاد فحسب, بل في عناصر النفوذ المعرفي وقيادة التحولات الفكرية لمزيد من الفعل والتفاعل مع العالم الخارجي. وإبعاد صفة الانغلاق والانطوائية عن المجتمع. فإذا قرأ المواطن العربي والمسلم القرآن الشريف وجد الطباعة والنشر من المملكة وإذا قرأ كتابا عن الفضاء وعلم الجينات وجده في المملكة. فيتبلور مع الوقت دور المملكة الديني والعلمي كمركز إشعاع ديني وعلمي.
قد يقول قارئ ما طبيعة العلاقة بين المعرفة النظرية والترجمة والتنمية الاقتصادية؟ للمعرفة دور ضاغط رأسيا فالجميع يعرف أكثر ويصبح أكثر علاقة بالاقتصاد الحديث ويرتقي دوره الفردي, وبالتالي الجماعي ولها دور ضاغط أفقيا فبمزيد من المكاشفة بين أعضاء المجموعة الواحدة وارتفاع درجة الشفافية للحد من بعض الجوانب السلبية في اتخاذ القرارات الاقتصادية والإدارية وحجب المعلومات عن بعض. من الطبيعي وفي كل المجتمعات وخاصة الطبقة البيروقراطية لا ترغب ولديها حساسية أعلى من المكاشفة والشفافية ولكن دور القيادة الناجحة هو تعريض المجتمع إلى مزيد من الشفافية والمكاشفة في كل ما يهم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وليس هناك أي خطر من زيادة المعرفة على المجتمع, بل الخطر يأتي من قلة المعرفة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي