مشاريع لكن.. مشوهة!
لا أحد ينكر ما تنفقه الحكومة على المشاريع التنموية في جميع المناطق السعودية مترامية الأطراف، فمن مشاريع الطرق إلى المطارات إلى مشاريع المياه والكهرباء والقائمة تطول. وبقدر ما يُعجب الإنسان بعدد وتنوع هذه المشاريع والمخصصات المالية الضخمة، إلا أنه في الوقت ذاته لا يملك إلا أن يتساءل باستغراب وحيرة شديدين: لماذا بعض هذه المشاريع تتدهور ويصيبها العطب في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز السنة أو السنتين من حين انتهائها؟ بل إن بعضها لم يتم تسلمها رسميا ومع هذا تجد فيها كل عيوب الدنيا! ومشاريع قد تكون نفذت بمعايير وجودة عالية، إلا أنها افتقدت الصيانة اللازمة للحفاظ على مستوى الخدمة وتحقيق العمر الافتراضي للمشروع. مشاريع أخرى إما أن يكون حجمها أكبر من المطلوب أو أصغر من المطلوب. والمشاريع التي أتحدث عنها لا تقتصر على قطاع بعينه دون قطاعات أخرى في الدولة، بل لا يكاد قطاع يخلو من بعض القصور في مشاريعه. إلا أن بعض المشاريع تكون أعطابها أكثر وضوحا وأهمية بسبب تأثيرها المباشر واليومي في حياة المواطن. على سبيل المثال الطرق السريعة الداخلية والدولية هي بلا شك إنجاز رائع لنظام من شبكة الطرق المتطورة في وقتها إذ كنا نفتقر لمثلها في مرحلة تاريخية من عملية بناء الدولة الحديثة، إلا أنه لا يسعنا مهما كان الإنجاز أن نتوقف عنده فحركة التاريخ لا تسمح بذلك وكان لا بد من مواصلة التنمية. فالتنمية تعني الاستمرار في استكشاف مخزون الإمكانات والبحث الدائم عن البدائل وترتيب الأولويات وعمل أشياء جديدة بطرق جديدة وبكيفية أفضل. عملية التنمية مسألة نسبية وعملية تراكمية، فربما كان مستوى معين للطرق مقبولا في فترة لها محدداتها ومعوقاتها لكن ليس بالضرورة مقبولا في فترات لاحقة. إن الوصول إلى مستوى معين من الخدمات لا يعني أن نتوقف عندها بل يكون دافعا لمواصلة المسيرة, إذ يفترض أن تكوّنت لدينا خبرات وتجارب مع مرور الوقت تمكنا من عمل الأشياء بطريقة أفضل. ما أقصد قوله هنا أن هناك قصورا في بعض مشاريع الطرق إما من ناحية عدم استكمالها وإما من حيث عدم صيانتها أو تنفيذها في الأساس حسب المعايير الفنية الهندسية. فهناك طرق مهمة مثل طريق الدمام ـ الكويت الدولي الذي بدئ في استكماله خلال العامين الماضيين لمسافة لا تتجاوز 150 كيلو مترا بعدما حصد الكثير من الأرواح والممتلكات. ومع أهمية هذا الطريق الذي تقع عليه أهم حقول النفط وخاصة مدينة الخفجي الحدودية وانبساط الأرض وسهولة التضاريس إلا أنه استغرق حتى الآن عقدين من الزمان ومع هذا لم يكتمل بعد! ما يعجب له بل يستنكر عدم المبالاة براحة الناس وأرواحهم وتعريضهم ومركباتهم للخطر. فالطريق خطر جدا تتمثل خطورته في أن جزءا منه مسار واحد لا يتناسب مع الكثافة المرورية عليه، كما أن الوصلات بين الطريق الحالي والطريق تحت التنفيذ دون إنارة وعلامات تنبيهية بل إن الوصلة نفسها غير معبدة ووعرة وطويلة. أما بقية الطريق فجار عمل الصيانة اللازمة, إلا أن هناك أجزاء من الطريق خطرة جدا على هيئة حفر عميقة تعرض مستخدمي الطريق للحوادث والإصابات والوفيات. حتى ليخيل إليك وأنت تقود مركبتك أنك في رحلة سفاري في أواسط إفريقيا. في كل مرة أمرُ بتجربة القيادة على ذلك الطريق تثور في ذهني تساؤلات كثيرة أهمها: لماذا مع كل ذلك الإنفاق السخي والمخصصات المالية الضخمة تكون الطرق بهذا المستوى من التدني والخطورة؟ لماذا الخدمات على الطرق السريعة رديئة لا تتناسب مع الذوق العام فضلا عن الإمكانات الاقتصادية لبلد مثل السعودية؟ لماذا محطات الوقود ودورات المياه والاستراحات أقل من المستوى المطلوب مع أنها تحتاج فقط إلى تحديد معايير تخطيطية وإلزام جميع مقدمي الخدمة بها؟
من المشاريع التي نسمع بها ولا نراها مشاريع تصريف مياه الأمطار في المدن! فالصحف اليومية تُطالعنا بين الفينة والأخرى بأرقام كبيرة من الريالات رصدت لتنفيذ هذه المشاريع، ومع ذلك نرى مدننا دون استثناء تغرق شوارعها من رشات مطر خفيفة, بل إن الاستعدادات تتكرر كل عام وكأن لم نمر بتجربة سابقة. فيكون شغل الأمانات والبلديات الشاغل هو تجنيد إمكاناتها لمعالجة المشكلة بعد وقوعها وكأنما ندير شؤوننا إدارة أزمات دون أن يكون للتخطيط نصيب لتلافي المشكلة من أساسها. في كل عام تتكرر حوادث المركبات وتوقفها في وسط بحيرات داخل المدن وكأنما نحن بلد غير صحراوي ينهمر علينا المطر بكثافة طوال العام. لم يعد مفهوما فضلا عن أنه من غير المقبول عدم معالجة مشاكل واضحة متكررة بل روتينية تحتاج الى حلول فنية هندسية ومن ثم تنفيذ حقيقي للمشاريع. الأمر لا يحتاج إلى اجتماعات ومناقشات ومداولات يحتاج فقط إلى تنفيذ ولو حتى على مراحل بحيث يستكمل قطاع من المدينة من كل عام وتأخذ المواقع المنخفضة الأولوية. ما أعجب له أن تكون بعض الدول الفقيرة التي تهطل عليها الأمطار بغزارة طوال العام لا تعاني من الفيضانات في شوارع مدنها مثلما نعاني!
المشروع الآخر الذي أود التحدث عنه مطار الملك فهد في المنطقة الشرقية, وهو مشروع عملاق بلا شك يمثل بوابه لعاصمة الاقتصاد ولمنطقة من أهم مناطق السعودية. والمطار الذي شيد على مساحة كبيرة من الأرض ومجهز بأحدث وأفضل التقنيات يمثل واجهة حضارية ويعكس اهتمام ولاة الأمر بالتنمية المتوازنة بين المناطق. إلا أن المطار يواجه مشكلة في تشغيله وهي تتعلق بحجم الطلب المتدني نسبة إلى ما يقدمه المطار من خدمات. ولذا تم تشغيل فقط نصف المطار كمرحلة أولى، كما كونت لجنة للنظر في تفعيل المطار وتحفيز الطلب ووضع تصورات لكيفية جعل المطار محطة رئيسة لشركات الطيران الأجنبية, مع أنه كان من المفترض أن يكون ذلك قبل بداية المشروع.
حقيقة الأمر أن هذه ليست المشكلة بل هي ظاهرة لمشكلة أكبر وأعم اسمها القصور الإداري الذي من أهم صوره اللامبالاة الإدارية. وهي نتيجة حتمية لانعدام الشفافية والمساءلة والمحاسبة, فالإدارة الصالحة (ولا أقول الفاعلة) فقط تعني قرارات صائبة وهذه تستوجب بالضرورة إدراكا كاملا من صانع القرار لنتائج القرار ومسوغاته بما في ذلك التأثيرات في المديين القصير والطويل. هذا أمر حتمي ومتطلب أساس للتطوير الإداري الذي يقود في النهاية إلى مشاريع مطلوبة تدوم فترة طويلة بمستوى خدمة وجودة عالية. من هنا كان من الضروري إيجاد نظام متكامل يحدد المسؤوليات ويوزع المهام ويحدد الأدوار ومن ثم تقييم الأداء الذي يقتضي نظاما رقابيا قانونيا يحاسب على النتائج وليس فقط عمل الحد الأدنى مما هو مطلوب. هذا أمر ليس بجديد فقد عرفته الإمبراطورية الرومانية حين قررت تطوير نظامها الإداري فأول إشكالية واجهتهم هي النظام الرقابي وكانت تتمثل في الإجابة عن سؤال في غاية الأهمية "من سيراقب المراقب؟". بل إن تقدم ورقي الأمم يقاس بقدرة جهازها الإداري على تحويل احتياجات وتطلعات الناس إلى مشاريع تحقق تطلعاتهم وتشبع احتياجاتهم. إن الانفلات الإداري (إن صح التعبير) والافتقار إلى الضبط والرقابة الإدارية هما مصدرا الخلل الإداري وبالتالي السبب في إخفاق بعض المشاريع. إن الانضباط الإداري والرقابة الإدارية لا تعنيان بالضرورة الرقابة البيروقراطية الرسمية الشكلية وإنما الرقابة المرتبطة بالنتائج المبنية على وقائع ملموسة وإحصائيات محسوبة. ومتى توصلنا إلى هذا المستوى من النضج الإداري كان بالإمكان تنفيذ المشاريع كاملة سليمة من كل نقص وخالية من كل عيب بحسب المقاييس الفنية والمعايير المهنية ليست مشوهة تضر أكثر مما تنفع يعتريها النقص من كل جانب لا تحترم آدمية المواطن ولا تقدر نفسه وماله. إن اللحظة مواتية ليس فقط لعمل الكثير بكفاءة وإنما مشاريع تلبي احتياجات المواطنين. ما نحتاج إليه هو أن يكون المواطن ومتطلباته الحقيقية حاضرة في أذهان من يرسمون ويخططون وينفذون لهذه المشاريع التنموية.
أستاذ الإدارة العامة المشارك
جامعة الملك فيصل