مع الوفرة المالية .. هل نبدأ بناء القطاع الثالث؟
في الطفرة المالية الأولى قبل ثلاثين عاما عملت الدولة بشكل مكثف على بناء القطاع العام، فتوسعت في إنشاء الأجهزة الحكومية واستثمرت في إنشاء المرافق والمقرات ودعمت ذلك ببرامج لتنمية الموارد البشرية، وفي السنوات الخمس الماضية أضيفت هيئات ومجالس عليا للقطاع العام.
أيضا القطاع الخاص تبنت الدولة عبر برامج الإعانات والإقراض المتخصص تكوينه ودعمه بكل ما يحتاجه، والقطاع الخاص السعودي أصبح مشاركا رئيسيا في برامج التنمية والإعمار، ومشاريعه وصفقاته تستقطب الأضواء وتنافس مشاريع الحكومة في الحجم والحيوية.
الآن ومع الطفرة المالية الجديدة تبرز الحاجة الملحة لأهمية استثمار هذه الوفرة المالية لأجل بناء وتكوين واحتضان (القطاع الثالث)، أي مؤسسات المجتمع المدني التي تطرح الآن كحاجة أساسية وضرورية للاستقرار الاجتماعي ولتجديد حيوية مجتمعنا.. فمؤسسات المجتمع المدني كانت من أولويات المؤسس الكبير الملك عبد العزيز، رحمه الله، فبفطرته القيادية كان مدركا لأهمية إيجاد مؤسسات النفع العام، خصوصا أن موارد الدولة وإمكانات الحكومة لم تكن حينئذ كافية لملاحقة احتياجات الناس.
طبعا التوجه لبناء مؤسسات المجتمع المدني استمر منذ بداية التأسيس، وكانت الجمعيات التعاونية والزراعية والخيرية مؤسسات رئيسية للاستثمار وتوزيع الثروة وتصدت لاحتياجات ضرورية للناس، مثل إنشاء المخابز والمحلات التجارية وغيرها، وهناك تاريخ إيجابي مشرق لهذا النشاط الذي جاءت الطفرة فأوقفته وبقي متواضعا بسيطا حتى اختفى تقريبا، والآن مخرجات المؤسسات الموجودة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات ولا تلبي الأهمية المتوقعة من مؤسسات النفع العام.
بناء القطاع الثالث اعتقد أنه قضية استراتيجية ترتبط بمقومات مستقبلنا، والسياسات الحكومية عليها مسؤولية تجاه بناء مؤسسات المجتمع المدني، خصوصا في ظل غياب سياسات ضريبية واضحة تقدم الحوافز لمؤسسات القطاع الخاص بحيث تحثها على تقديم الهبات والتبرعات المنظمة لمؤسسات النفع العام كما هو الحال في الاقتصاديات متكاملة الأدوات والسياسات.
الكثير من المؤسسات الخيرية والتطوعية وحتى التعاونية العاملة في مجالات حيوية وعديدة تعاني من نقص شديد في الإمكانات والموارد المادية والبشرية، والدولة ومع الوفرة المالية تستطيع تبني آليات جديدة لتأسيس بنية قوية لمؤسسات المجتمع المدني، فمثلا الكثير من الجمعيات القائمة الآن ليس لديها المقرات المناسبة لأنشطتها، كما أن الكثير منها يعاني من نقص الكفاءات الإدارية المؤهلة، فهذا القطاع لا تمكنه موارده المالية من استقطاب القيادات والكوادر التنفيذية، وغالبا ما يسد نقصه عبر العمل التطوعي الذي هو الأخير "أي التطوعي" غير منظم، وبالتالي تنتهي الكثير من مشاريع القطاع الثالث إلى الفشل أو تستمر، ولكن بمخرجات ضعيفة وبسيطة.
وزارة الشؤون الاجتماعية لديها برنامج لدعم المؤسسات الخيرية، وقبل سنوات صدر قرار مجلس الوزراء بضرورة تعزيز هذا البرنامج ورفع مخصصاته المالية في ميزانية الدولة، ولكن ما يعتمد يبقى قليلا جدا.. إننا نحتاج إلى نقلة نوعية رئيسية واعتمادات مالية كبيرة تضع إمكانات الدولة خلف هذا القطاع، فلدينا الفرصة التاريخية وكلنا ثقة بالله، ثم بعزم ورغبة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله لإحداث نقلة جديدة لمجتمعنا، ولعل خادم الحرمين يتبنى بناء القطاع الثالث، خصوصا أنه قطاع يمس المقومات الأساسية لحياة الناس ويدعم ما تقدمه الدولة وفوق هذا يعد من القطاعات الحيوية التي توفر فرص العمل.