خسائر الأمس كانت أرباحاً لمن؟!
الشجاعة لا تأتي بغياب الخوف إنما الشجاعة تأتي بحضور الخوف، مع إرادة المتابعة بهذه المقدمة أكتفي بأن تكون هي فاتحة حديثي هذا عن عملية التبادل في التداول في الأسهم السعودية، فالخسارة مؤلمة مهما كان حجمها لأنها تلمس مشاعر الإنسان بأحاسيس لا إرادية في معظم الأحيان ولأنها في الأحيان الأخرى أشد قسوة ومرارة، خاصة إذا كان محل التبادل في التعامل بدون عوض، فالمحفظة الاستثمارية لا تعدو أن تكون إلا تفويضاً تحت قيد التصرف الكامل بمضمون ومقدار حجم تمويل المضاربة في تداول الأسهم، فالمضارب عنه أو المستثمر له كما يحلو للبعض أن يدعوه لا يملك قرضاً ولا عوضاً يمكنه التصرف فيه بنفسه فهو مجرد محل التزام مالي له أو عليه، فلو كانت أرباحاً فيتم ترحيلها فوراً لتسديد القرض وإن كانت خسائر وهي الأحرى فيتم قيدها في حساب المدين ويتم تسجيلها في قائمة المستحقات على المقترض له وفوراً يتم تسييل الأسهم، بيعها، دون الرجوع لمن تم فتح المحفظة الاستثمارية له. هنا ندرك بوضوح من صارت له أرباح كل هذه الخسائر على ضخامة أحجامها.
أنا هنا لست بصدد تحديد مدى صحة هذا السلوك المالي أو شرعيته فسأتركها للذين يعملون على سن التشريع ووضع الأنظمة، لكنني أحسب حساب الخوف عندما أرى الشجاعة قد استحوذت على القرار الاقتصادي وأصبحت هي الوسيلة الوحيدة لتوجيه الاقتصاد، والاقتصاد في إدارته واتخاذ القرارات فيه يتطلب التروي والتريث وإعطاء الوقت الكافي وقياس الاحتمال بين العديد من البدائل، أما عملية التسرع والهرولة وربما القفز على قدم واحدة إلى النهاية وضخ الأموال لمجرد سد الفجوة في فروقات أسعار الأسهم، رغم أن السوق كانت محصنة بالدفع الفوري، فهي في نظري عملية تستدعي القول إن هناك عدم كفاية في ملفات أنظمة إدارة الاقتصاد وإلا فإن اقتصاداً مثل اقتصاد المملكة قوي ومتين يحظى بالوفاء الكامل للالتزام محلياً ودولياً يحفه الأمان والاستقرار، مؤسساته المالية "البنوك" أغنى مؤسسات في العالم، يملك سيولة عالية في الداخل والخارج قوة شرائية عالية، وشعب قوي في ترابطه وتلاحمه. مثل هذا الاقتصاد ليس في حاجة إلى أن يكون خاضعاً للمسكنات والمهدئات والمنشطات من مليارات الريالات. هذا الاقتصاد بإمكانياته المتنوعة الواسعة وسوق الأسهم فيه يجب أن يكون ذاتي التصحيح، كفاءة في الأنظمة وفعالية في الأداء. إن مجرد إشعار الناس أن سوق الأسهم بحاجة لضخ المزيد من الأموال كان كافياً لتأخير إعادة النشاط فيه. إني أخاف من هذا العطاء بهذا السخاء أن يتكرر في فترة قريبة فيفقد الاقتصاد مناعته.
الأمر الثاني في عملية إعادة الثقة بالسوق هي عملية تجزئة القيمة الاسمية للسهم. إن من صفات السوق السعودي للأسهم هو أن عدد الأسهم كبير ورغم هذا فإن حجم المتداول منها قليل وقليل جداً بالمقارنة، فالتجزئة في قيمة السهم الاسمية هي الأخرى في نظري عملية تنفس صناعي في جسم الاقتصاد لأن العلة كما يبدو لي تكمن في تنظيم جانب الطلب أكثر منها في جانب العرض فكيف يمكن التوفيق زمنياً بين هذه وتلك؟!
الأمر الثالث هو القرار الشجاع أن يسمح للمقيمين بالاستثمار المباشر في سوق الأسهم السعودية. أنا كما أسلفت أخاف من الشجاعة في القرار الاقتصادي وأحسب حساب الخوف أولاً حتى أني في كل الأحيان أتمادى في رغبة الاسترخاء طويلاً لمجرد التفكير في هكذا شجاعة لاتخاذ مثل هذا القرار، فالإنسان بطبعه يطمع أن يضاعف قيمة ما يملكه وفي وقت قصير جداً بمعنى أنه يبحث عن القيمة وليس المنفعة وهذا توجه غير مباشر بعدم الاستثمار وعدم التوسع في الإنتاج، بل وعدم تحسين جودة الإنتاج ورفع كفاءته، فينصب جل الاهتمام في البحث عن رفع القيمة ممثلة في التداول في سوق الأسهم.
التداول في سوق الأسهم يرفع قيمة ما تملكه أنت فقط، أي أن ما تملكه قد يتضاعف، ولكن لا منفعة فيه للاقتصاد، بل ربما يكون عامل تراجع في مجال الاستثمار، فالدعوة للمقيمين بالدخول في التداول لسوق الأسهم السعودية يرفع قيمة مدخراتهم فهل نحن في حاجة إلى رفع قيمة مدخرات الغير بقدر ما نحن في حاجة إلى استثماراتهم، ولا أظن أحداً يرى أن بإمكانه أن يضاعف قيمة ما يملكه في ساعات أو دقائق سينظر إلى مجال الاستثمار مطلقاً.
المقيمون قوة اقتصادية يملكون حجماً لا بأس به من الأصول العينية والنقدية حتى أنه من الصعوبة بمكان معرفة حجم ما يملكون. كما يملكون الشيء الكثير من المعلومات المتراكمة من خبرة عشرات السنين في مجال قطاع الأعمال والشركات، فهل نحن في المملكة في حاجة لمدخرات الغير؟! نعم، ولا، فكلا الاحتمالين وارد. نعم أحتاج لمدخرات الغير مع مدخراتي إذا كانت السياسة التي أتبعها في حركة تداول الأسهم هي لأغراض مالية ترجيحاً، فهذه السياسة بحق تستحق كل هذه الشجاعة في اتخاذ هذا القرار وفي هذا أنا لا أستبعد أن العملية برمتها مالية بحتة ولا علاقة لها بالاقتصاد، ولهذا الغرض خصوصاً فإن نشاط تداول الأسهم يجب دعمه وتعزيزه بمدخرات المواطنين والمقيمين على حد سواء، كما يجب أن يستمر ويستمر بكثافة ولهذه السياسة من المبررات ما يكفي قناعة. إلا أن توقيت دعوة المقيمين لتداول الأسهم المحلية لم يكن محسوباً بدقة مما قد يجعل الإقبال في بدايته أقل في معدله مما يتوقع.
إن تجميع المدخرات من المواطنين والمقيمين بلا شك سيخدم السياسة المالية ولكن إلى حين، ففي الأجل الطويل والمنظور ربما تكون هذه السياسة أقل منفعة للاقتصاد، كما أن النتائج هي الأخرى ستكون في أدنى مستوى التقدير لها.
سأبقى على خوفي من الشجاعة في اتخاذ مثل هذه القرارات.
* أستاذ جامعي في الاقتصاد