عناصر تحكم الأسهم السعودية.. النمو الاقتصادي والنفط والسيولة والفائدو

روحٌ جديدة، ورؤية مستقبلية أكثر موثوقية، تلك المكونات الأكثر تشكلاً في ثنايا الإطار المحيط بسوقنا المحلية. دروسٌ مؤلمة خرجت منها السوق بعقليةٍ طالما طالب بها المحللون المحايدون والمهتمون بتحقيق المصلحة العامّة والمحافظة على مكتسبات الوطن والمجتمع السعودي. كما يبدو بعد انقشاع الضباب الرمادي الذي خيّم على ربوع السوق المحلية الأكبر على مستوى منطقة الشرق الأوسط، والعضو في أكبر 15 سوقاً مالية حول العالم، أن ما حدث كان قدراً محتوماً بعد استنفاد النداءات الرسمية والمحايدة لكل محاولاتها الواعية بالتحذير من المخاطر المحيقة من المضاربات العشوائية، والسلوكيات الاستثمارية غير المستندة إلى القراءة الفاحصة والمهنية للمراكز المالية الموضحة في القوائم المالية لجميع الشركات المدرجة في السوق.
انتهى عهدٌ قديم، وبدأ عهدٌ جديد. انطلاقة السوق الراهنة والمقبلة في الأيام، يجب أن تبقى محكومة بالعديد من المحددات والآليات الفاعلة والحيوية، أولها : الاستمرار الحازم في تطبيق الأنظمة واللوائح المقننة لعمل السوق، وإصدار المزيد من اللوائح والقواعد التنظيمية، وهذا من أهم المحددات التي لن تزدهر أو تتطور أي سوقٍ للأوراق المالية في غيابها، وقد أثبتت هيئة السوق المالية منذ أول بصمةٍ لها على واقع السوق، أنها قد نجحت في رفع وتطوير واقع السوق الناشئة، ومن المؤمل أن تتحقق أهدافها المستندة إلى نظام السوق المالية واللوائح التنفيذية الراهنة والمتوقع صدورها مستقبلاً، وهنا يجب الإشارة إلى أن المحك الرئيس في خضم النقاش الدائر والمحموم حول هذه النقطة تحديداً؛ يتمثل في وجوب اعتبار النظام واللوائح "المسطرة" التي يُحتكم إليها في أي خلافٍ يدور بين مؤيدي ومعارضي قرارات تنظيم وإدارة السوق، وغير ذلك فلا أراه يدور إلا في دائرة المصالح الشخصية والانفعالات غير الواعية. ثانيها: ضرورة الاستفادة مما حدث خلال الأسبايع الأخيرة بالنسبة لعموم المستثمرين، والعمل الجاد من قبل كل فردٍ منهم على رفع مستويات الوعي الاستثماري، التي تؤهل إلى اتخاذ القرارات الاستثمارية الرشيدة بناءً على ما تظهره القوائم المالية للشركات المساهمة، والابتعاد تماماً عن الممارسات المضاربية العشوائية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وذاك ما أثبتته الأيام القليلة الخوالي. يوجد في السوق المحلية فرصٌ استثمارية مجدية جداً، مفتوحة أبوابها أمام كل من يريد تنمية مدخراته والمحافظة عليها بصفتها من أفضل الأدوات الاستثمارية المخزنة للقيمة بالدرجة الأولى، والمتنامية القيمة بالدرجة الثانية.
أتوقع في المرحلة المقبلة من السوق أن يسير أداؤها بناءً على أداء الشركات القيادية والشركات ذات العوائد من نشاطها الأساسي بالدرجة الأولى، وهذا من أهم المتطلبات اللازم توافرها في السوق التي ستعمل على استقرار الأداء وتنامه بخطى مدروسة وواثقة، وقد يقول قائل إن هذا قد يقتل نشوة السوق المحبوبة المتمثلة في المضاربة! وللرد عليه أقول، إن هذا توقع غير صحيح، إذ من الممكن أن تتحول تلك المضاربات بصورةٍ أخرى غير صورتها العشوائية السابقة إلى نوعٍ من المضاربات التي يمكن تسميتها المضاربة المأمونة أو المتعقلة، ولكن أين موقع عملها هذه المرة؟! إنه في أحواض الشركات ذات العوائد، وليس في الأحواض المفلسة أو الخاسرة. تسير السوق باتجاهاتٍ واسعة الفرص بدءاً من اتساع رقعة السوق بالزيادة المتوقعة في عدد شركاتهت الجيدة، ثم بزيادة عمقهت بما يساعد على استقرارهت ويوفر لهت أرضية صلبة للنمو بما يتواءم مع الأداء الأساسي لتلك الشركات بعيداً عن المزايدات غير الواقعية. تطرقت في مقال سابقٍ للعوامل المؤثرة في أداء السوق المحلية، وذكرت أنها تتركز بصورةٍ كبيرة في الإنفاق الفعلي للحكومة داخل أروقة الاقتصاد المحلي، ونمو السيولة المحلية "ن 2"، ومعدل النمو الحقيقي للاقتصاد السعودي، ونمو الأسعار العالمية للنفط. حيث كشف قياس الارتباط الإحصائي بين التغير في هذه المحددات والتغير في مؤشر السوق عن قوة الارتباط بينها، وأن العلاقة الطردية واضحة جداً بين التغير في المحددات السابقة وأداء السوق المحلية. فيما أظهرت الدراسة التأثير العكسي القوي للتغير في أسعار الفائدة في نمو مؤشر السوق، وكيف أن انخفاض تكاليف التمويل لعب دوراً كبيراً في تحفيز نمو السوق المحلية. أمّا بالنسبة لعلاقة أداء السوق بنمو ربحية الشركات المساهمة، فقد أظهرت ارتباطاً ضئيلاً بما يعني أن طابع المضاربات كان الطابع الأغلب على حساب طابع الاستثمار ضمن سلوك المستثمرين في السوق، وهذه النقطة المحورية التي ستشهد تحولاً جذرياً خلال المرحلة المقبلة من عمر السوق، التي ستعزز حال ارتفاع تأثيرها من استقرار السوق المحلية، ومنحه فرصاً مثلى للنمو بناءً على مرجعياتٍ قوية ومتينة. إنها من أهم المتطلبات التي ستربط بقوة بين تطورات السوق والاقتصاد الكلي، وهذا يخدم الجانبين: الاقتصاد والسوق على حدٍ سواء، كما أنه سيقضي بدوره على مخاطر تضخم الأصول الحقيقية، الذي كما هو معروف من أخطر ما يمكن أن يعمل على تشويه الاقتصاد الكلي، ويزعزع الثقة فيه، ويتجه به إلى مناطق وخيمة العواقب مستقبلاً.
يتضح من قراءة سلسلة التغيرات للمؤشرات الاقتصادية التي نحن بصددها أنها قد تفاعلت من خلال ارتفاعاتها المتوالية خلال الفترة الأخيرة لتعزز من ارتقاء وتصاعد الأداء الإجمالي للسوق المحلية. وبالتالي فإن استمرار هذا التحسّن في المحددات السابقة مستقبلاً من شأنه أن يُعزز من أداء المتغير التابع ممثلاً في السوق، ووفقاً للمعطيات الراهنة والتوقعات الإيجابية حول مستقبل تلك المحددات؛ وعلى وجه التحديد الأسعار العالمية للنفط في منظور الأعوام المقبلة، التي تُعد المحرّك الرئيس حتى لبقية المحددات الرئيسة هنا، فإن الرؤية من هذه الزاوية تبدو مطمئنة إلى حدٍّ بعيد، خاصة مع استحضار التوقعات الدولية بتصاعد الدور السعودي في أسواق النفط العالمية، من خلال زيادة طاقتها الإنتاجية مستقبلاً بما يدعم استقرار الاقتصاد العالمي في جانب تلبية متطلباته من الطاقة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأسعار العالمية للنفط لم يتضح بعد لدى المختصّين أنها قد تتراجع، وأنها في حال لم ترتقع إلى مستويات يدور الحديث حول توقع بلوغها سقف 100 دولار أمريكي لبرميل النفط، فمن المتوقع على أقل تقدير بقاؤها طويلاً فوق المعدلات المتوسطة الراهنة.
يضاف إلى ما سبق أهمية إدراك الدور الإيجابي للتحولات الهيكلية التي مرّت وتمر بها السوق المحلية؛ المتمثلة في زيادة ترسّخ تطبيق الأنظمة واللوائح التنفيذية لنظام السوق المالية الحديث، والتي ستؤدي حتماً إلى إضفاء مزيدٍ من الشفافية والالتزام المالي والقانوني لأطراف السوق، بما يعزز من ثقة الاقتصاد والمستثمرين على حدٍ سواء. وتبرز الأهمية الاستراتيجية لهذا الجانب في كونه يعمل باستمرار على رفع كفاءة السوق المالية المحلية، وزيادة تأهيلها للعب دورها الرئيس في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتوفير البيئة الاستثمارية المنافسة لاجتذاب رأس المال الوطني والأجنبي على حدٍ سواء. خلاصة القول؛ أن محاولة إيجاد إطارٍ مستقبلي للأداء الاقتصادي السعودي وسوقه المالية، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار اتجاهات المحددات السابقة أعلاه – وتحديداً الأسعار العالمية للنفط- مع عدم إغفال ما يطرأ على السياسة المالية للحكومة، والتي أثبتت قوتها وجدية التزامها خلال السنوات الخمس الماضية، وعمق الدور الإيجابي الذي لعبته في تأسيس أرضية صلبة للاقتصاد الوطني بما يشمل السوق المالية. وحسبما تُشير إليه الاتجاهات المستقبلية للمحددات السابقة، فإنها وفقاً لواقعها الراهن الإيجابي والمتنامي تتجه للاستمرار، بما يدفع للقول المرجح لاستمرار الأداء القوي والإيجابي لسوق الأسهم المحلية.

عضو جمعية الاقتصاد السعودية

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي