رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الاقتصاد السعودي .. الثقة وفرص النمو

فريقٌ قال إن الاقتصاد السعودي قد تنفس الصعداء يوم الأربعاء الماضي بخروجه من التصحيحات الأخيرة للسوق المالية، وفريقٌ قال إنه استعاد وتيرته، وكثير كثير قيل من هنا وهناك. لا غرابة أن يتداول على المستوى الإعلامي مثل هذا الحديث، فما زلت أرى بعين الاقتصادي الذي يراقب من كثب حقائق اقتصاد وطنه، أؤكد أنني ما زلت أرى تلك الفجوة الكبيرة بين حقائق الأرقام الرسمية والمنشورة بشكلٍ دوري حول الاقتصاد السعودي من جهة، ومن جهةٍ أخرى مستوى الاعتماد والمتابعة والقراءة الدقيقة لتك الأرقام من قبل كتاب الجانب الاقتصادي على صفحات وشاشات إعلامنا المحلي، دع عنك مَن هم في الخارج، فقد أثبتوا أنني أفضل قدرةٍ من كثيرٍ من كتابنا في هذه النقطة بالذات، بما يطرحونه من آراء متزنة ومتوافقة مع حقيقة وقوة الاقتصاد السعودي في جميع قطاعاته.
ولأكون أكثر قرباً من الفكرة التي أود إيضاحها هنا، سأشير إلى نقطتين رئيستين؛ الأولى: بالرغم من قساوة التصحيح الأخير في سوقنا المالية التي وصلت قوة ضغطها ما يقارب الـ 945 مليار ريال خلال 16 يوماً على عاتق الاقتصاد الوطني، إلا أنها استطاعت بقدرةٍ تفوق التوقعات أن تمتصّها، وفي خطوةٍ لاحقة لم تتجاوز الأربع ساعات فقط اندفع إلى أعلى مستعيدة أكثر من 34 في المائة منها (322 مليار ريال)، وهي مؤهلة تماماً لاستكمال ما تبقى، والانطلاق بالنمو القوي المدعوم بمحفزاته الأساسية الكامنة فيه. النقطة الأخرى: قليلٌ من الاقتصادات في العالم من لديها القدرة على استيعاب مثل تلك التصحيحات المؤلمة، وكم رأينا خلال العقدين الماضيين من انهيارات اقتصادية جسيمة، لعل أبرزها كارثة نمور آسيا في نهاية التسعينيات، والقاسم المشترك بين الاقتصادات القليلة القادرة على استيعاب مثل تلك الأزمات يتركز في قوة وملاءة نظامها المالي والنقدي بالدرجة الأولى، ثم في قوة ومتانة القطاعات الرئيسة العاملة في نطاق الاقتصاد الحقيقي، ثم في مرونة الاقتصاد الكلي للتكيّف مع المتغيرات المتسارعة داخله وخارجه، ويستمد فعالية مرونته من قوة المتغيرين الأولين المذكورين أعلاه.
حينما نشير إلى قوة ومتانة الموقف الاقتصادي الكلي ماذا نعني بهذا الكلمة؟ إننا نتحدث عن اقتصادٍ يقف على أرضيةٍ صلبة ومتينة يتجاوز نطاقها الـ 1.3 تريليون ريال، أهلته إلى أن ينتسب إلى أهم عشرين اقتصادا حول العالم. اقتصاد تجاوز نموه الحقيقي بنهاية العام الماضي الـ 6.5 في المائة حسب أحدث الأرقام الرسمية، مقارنةً بنحو 5.2 في المائة المتحققة في عام 2004، كما أنه معدل مرتفع إذا ما قورن بمعدل النمو الحقيقي للاقتصاد العالمي الذي بلغ بنهاية 2005 نحو 4.3 في المائة، ووفقاً للتقديرات الصادرة عن بعض المؤسسات الاقتصادية الدولية يُتوقع أن يراوح معدل النمو الحقيقي للاقتصاد السعودي بنهاية العام الجاري بين الـ 5 في المائة والـ 6 في المائة، وذلك في إشارةٍ واضحة لما يمر به الاقتصاد السعودي من انتعاشٍ غير مسبوق، جاء نتيجةً حتمية لما قامت وتقوم به الإدارة الاقتصادية في الحكومة السعودية من إصلاحاتٍ هيكلية على الاقتصاد، بدأتها منذ أكثر من خمس سنواتٍ سابقة. تلك المؤشرات ليست إلا جزءاً يسيراً من الكم الكبير من للمؤشرات الاقتصادية الحقيقية والأكيدة على متانة اقتصادنا المتنامي، والذي يتطلب من جميع الجهات الفاعلة فيه سواء كانت في الحكومة أو في القطاع الخاص استمرار العمل على إنجاز بقية الإصلاحات المنشودة، ولعل من أبرز ما يتعلق بموضوع الساعة الآن؛ تطوير وتنظيم سوقنا المالية. إذ إن ما تم إنجازه في هذه السوق خلال ما يقارب العامين الأخيرين، يُعد سجلاً حافلاً بالكثير مما كنا نطمح إليه قبل عقدٍ من الزمن، وذلك يتطلب إفراد موضوع مستقل، آمل أن تتاح الفرصة قريباً لتسليط الضوء الكامل على هذه الإنجازات.
أما على مستوى الميزانية الحكومية، فقد أظهرت أرقام الميزانية الصادرة عن وزارة المالية نتائج قوية وغير مسبوقة، حيث حققت الإيرادات والمصروفات الفعلية للعام المالي 1425/1426 (2005) نمواً فعلياً في إجمالي الإيرادات بنسبة 41.5 في المائة لتصل إلى 555 مليار ريال، مقارنةً بنحو 392.3 مليار ريال في العام السابق، أي بزيادة رقمية فاقت الـ 162 مليار ريال، وتُعد الأعلى قيمةً منذ عام 1970، والتي جاءت انعكاسا طبيعياً للمستويات القياسية التي وصلت إليها أسعار النفط العالمية، وصل متوسطها خلال عام 2005 إلى 56.5 مقارنة بنحو 41.4 دولار أمريكي خلال الفترة نفسها من عام 2004. فيما بلغ إجمالي المصروفات الفعلية خلال عام 1425/1426 (2004) نحو 341 مليار ريال، مسجلاً بذلك ارتفاعاً نسبته 19.6 في المائة عن العام السابق، أي بزيادة رقمية بلغت الـ 56 مليار ريال. ليس هذا فحسب من حديثنا عن متانة الاقتصاد الوطني، فعلى صعيد تطورات التجارة الخارجية السعودية، نجد أنها نمت بنهاية العام الماضي بأكثر من 34.6 في المائة مقارنةً بحجمها في عام 2004 لتتجاوز سقف الـ 860.8 مليار ريال، وهو معدل نمو يفوق ما تحقق بين عامي 2003 و2004 البالغ 31.1 في المائة، وتعكس هذه المؤشرات الدرجة المتقدمة التي وصل إليها انفتاح الاقتصاد السعودي على الاقتصاد العالمي، والفرص السانحة أمامه بعد الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية لأن يُضيف مزيداً من الإنجازات على هذا الطريق البالغ الأهمية في أسواق التجارة الدولية، وكانت نسبة التجارة الخارجية السلعية إلى الناتج المحلي الإجمالي قد وصلت بنهاية 2004 إلى 67.9 في المائة، وحسبما تشير أحدث الإحصاءات يُتوقع أن تكون نسبة انفتاح الاقتصاد السعودي على الاقتصاد العالمي قد تجاوزت سقف الـ 73 في المائة بنهاية عام 2005.
أؤكد هنا على ما يمتلكه الاقتصاد السعودي من مفاتيح مستقبلية، وبما يتوافر لديه من إمكانات هائلة لأن يجتاز أية تحديات محتملة مستقبلاً، لعل من أبرز تلك المفاتيح الدور الكبير الذي تلعبه هذه البلاد في ترسيخ الاستقرار العالمي بخصوص الإمدادات من الطاقة، الذي تُشير إليه التوقعات المستقبلية حول زيادة اعتماد العالم عليها كمصدرٍ موثوق به في هذا المجال، وهذا من أهم ما دعاني إلى أن أكتب في بداية هذا العام مقالة "أيها السعوديون تأهبوا لقيادة المستقبل". إننا على موعد مستقبلي قريب سننتج فيه أكثر من 12 مليون برميل نفط يومياً بحلول 2009، وبعيداً عن التوقعات التي تشير إلى إمكانية ارتفاع أسعار النفط لما فوق الـ 80 دولارا أمريكيا للبرميل، والأخرى التي تتصوره فوق الـ 100 دولار أمريكي للبرميل، فإن مردودها بأسعار اليوم حسب المتوسط 56 دولارا للبرميل يُشير إلى أن مردوداتها المالية ستفوق الـ 900 مليار ريال! ولنا أن نتخيل الكم الكبير من القدرات والفرص التي ستتفتح أمام الاقتصاد السعودي كي يتقدم على طريقه الذي اختطته قيادته الرشيدة لأجل احتلال مكانته المرموقة بين دول العالم، وأعضاء نادي التجارة العالمية التي كما سنفتح أسواقنا لها ستكون أسواقهم أيضاً مفتوحة لنا بالقدر نفسه من الانفتاح.
أؤكد هنا على ما سبق وكتبته قبل أكثر من ثلاثة أشهر، ما المفتاح الأقوى والأصلح بين أيدينا الآن ومستقبلاً؟ ما ذلك المفتاح الذي سيرجح كفّة الميزان بغض النظر عن حجم أو وعورة تلك التحديات الجسيمة؟ لقد أكدت على أنه الإنسان (المواطن السعودي)"! الإنسان هو رأس المال الأول في أي بلد في العالم، وحوله تتمحور كل تشكّلات الحكومات والمجتمعات وما يتفرّع عنها من مكوناتٍ مؤسساتية أو أهلية. في بدايات حقبة الطفرة النفطية الأولى في السبعينيات الميلادية تفتقت الخيرات من مكنون الأرض عن أهم موارد بناء العالم اليوم ممثلة في النفط، وأتاحت لنا فرصاً ذهبية تمكنت من خلالها بلادنا من إنفاق ما يربو على 4.5 تريليون من الريالات على بناء وتأسيس البنى التحتية للدولة والمجتمع السعودي، واستطعنا خلال ثلاثة عقودٍ الانتقال بقدرات الاقتصاد السعودي من اقتصاد بدائي يعتمد على الزراعة والرعي إلى أحد أهم عشرين اقتصاداً في العالم، وانخرطت البلاد في وتيرة تحولات متسارعة ومتنامية إلى أن اكتمل معها بناء هيكل الدولة والاقتصاد في منظومة مؤسساتية فريدة من نوعها، وأصبحت النهضة الشاملة التي عمّت أرجاء البلاد القصة الفريدة في كتاب الحديث عن حقائق التنمية في العالم الثالث. وبسبب اختلاف الطبيعة الإنسانية عن بقية المعطيات المادية من رأسمال وموجودات مادية، فلم يكن بالإمكان تحقيق التواؤم بين سرعة التغير في الواقع المادي الذي أمكن إحداث تغييرات جذرية فيه خلال أقل من ثلاثة عقود من جهة، وسرعة تغيير الإنسان السعودي إلى ذلك الوضع الذي يتناسب مع ما حوله من متغيرات داخلية أو خارجية. ودون أدنى شك؛ فقد قطعنا شوطاً طويلاً في هذا الاتجاه، ولكن بقي ما يجب إنجازه مهما بلغت التحديات والتكاليف، فكما استطعنا أن نشيد على أراضٍ شاسعة الأطراف كل هذه النهضة الاقتصادية والعمرانية، فلن يتأخر إنسان هذه البلاد العظيمة عن اللحاق بركب الحضارة العالمية، والدلائل على توافر الإمكانية والقدرة لدى الإنسان السعودي جلية وظاهرة لكل العالم، والمتبقي برغم المعوقات الكبيرة التي تقف بيننا وبينه، متاحٌ لنا بفضل ما يتوافر لدينا من قدرات وإمكانات مادية ومعنوية، فقط علينا اختيار أفضل السبل لأجل تحقيقه. أشرت في أكثر من مرة إلى أهمية انطلاق فلسفة التربية والتعليم - ونحن بصدد تطوير مناهجها - من حيث انتهت اللجنة الدولية للتعليم في القرن الواحد والعشرين، حينما وضعت تصوراتها عن التعليم في المستقبل وللمستقبل في عام 1996، وما نتج عن تلك الرؤى والتصورات المهمة بأن تبنّت تلك اللجنة الدولية شعار "التعلم مدى الحياة"، وكيف أصبح ذلك الشعار ذو المعنى العميق منذ تاريخ إعلانه، إطاراً عاماً ومحوراً أساسياً تدور حوله جهود وفعاليات تربية وتعليم المستقبل، وقد تضمن هذا الشعار أن: التعلم للعلم، التعلم للعمل، التعلم للعيش مع الآخرين، وأخيراً التعلّم للكينونة، هذه المضامين التي تمثل أعمدة المعرفة الأربعة ومرتكز الدور المعرفي للتعليم في القرن الراهن، وأنها لأجدر من غيرها من المقترحات المتعددة لأن نأخذ بها.
سيتجاوز عدد سكان هذه البلاد بحلول عام 2020 الـ 34 مليون نسمة حسب تقديرات الأمم المتحدة، يفوق السكان من سن 15 عاماً إلى ما دون الـ 60 عاماً 21.4 مليون نسمة، أي ما يقارب 63 في المائة من إجمالي السكان، يمثلون عصب النشاط الإنساني، ويتوقع أن يُشكّل نصفهم أي ما يفوق الـ 10.5 مليون نسمة قوة العمل المحلية، والبقية يشكّلون المنتظمين في سلك التعليم العام والعالي، تلك أرقام سنواجهها بعد 15 عاماً فقط! إننا نتحدّث عن ضعف عدد طلاب وطالبات اليوم، وعن سبعة أضعاف حجم قوة العمل الوطنية الآن! إن القضية أكبر من زيادة المخصصات المالية لقطاع التربية والتعليم، إنها منصبة بالدرجة الأولى على تطوير مناهجنا التعليمية بما يتواءم مع متطلبات أسواق العمل المستقبلية، التي تتغير بسرعة كبيرة ترتبط بالتغلغل العميق للعوامل التكنولوجية والتخصصات الحديثة في مجالات الإدارة والاقتصاد والتخصصات العلمية المتعددة الأخرى. لذا، يتطلب النجاح في تأهيل مفتاح المستقبل المتمثل بالإنسان كثيراً من الإنفاق والجهود المضنية والمستمرة، ذاك هو الطريق الذي ينتظر مرورنا، وذاك هو مفتاح بوابة المستقبل.

أخيراً
اقتصادنا وسوقنا أكبر وأقوى - بإذن الله - من أي تحديات مستقبلية، وذلك بعد فضل الله ثم بفضل النية الصادقة التي برزت ملامحها مع بدء الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد الوطني. فلنطمئن إلى قوة اقتصادنا ومتانته .. ولنطمئن فنحن تحت قيادة أبو متعب حفظه الله ورعاه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي