سوق الأسهم ودور الدولة
في السنوات الأخيرة حدث تغير كبير في سلوك الأفراد في السعودية عم غالب فئات المجتمع للاستثمار في سوق الأسهم بدلا من الاستثمار في شركات توظيف الأموال التي تعرض مدخرات الأفراد لخطر النصب والاحتيال أو خروج الأموال خارج الاقتصاد، وهذا لا شك مطلب يجب أن تسعى الدولة إلى الحفاظ عليه لما له من آثار إيجابية على النمو الاقتصادي ودعم تمويل التنمية من خلال سوق الأسهم عندما تتوجه السيولة لهذا السوق بدلا من هروبها للخارج أو استحواذ شركات توظيف الأموال عليها. فسوق الأسهم أهم مصادر التمويل في العصر الحديث، حيث يتيح فرصة للمستثمرين بتمويل استثماراتهم بتكاليف وشروط أقل، كما يتيح للمدخرين استثمار مدخراتهم مهما صغرت في السوق وتحقيق عوائد مجزية والمشاركة في شركات عملاقة من المستحيل على الفرد الواحد إقامتها، ناهيك عن صغار المستثمرين. كما يسهم سوق الأسهم في خلق رقابة على أداء الشركات من قبل المساهمين لارتباط ذلك بثروات الأفراد. وقد أثبت كثير من الدراسات الاقتصادية النظرية والتطبيقية الدور الفاعل لسوق الأسهم في النمو الاقتصادي. وبعد الانهيار الذي حصل في أسواق الأسهم في دول شرق آسيا وتأثر تلك الاقتصاديات سلبيا بهذا الانخفاض، عمل البنك الدولي على عقد المؤتمرات والدراسات اللازمة لدراسة العلاقة بين النمو الاقتصادي وسوق الأسهم وخلص إلى أهمية سوق الأسهم للنمو الاقتصادي وأن الدور الذي يلعبه سوق الأسهم يعتمد على مدى كفاءة السوق الاقتصادية.
وهذا التحول في السلوك الاستثماري حدث نتيجة للعوائد العالية المتحققة في السوق نتيجة لعودة الرساميل السعودية من الخارج بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) ولنمو الاقتصاد السعودي المدعوم من القطاع النفطي مما أدى إلى ارتفاع أرباح الشركات العاملة في السوق الذي انعكس على أسعارها، علما أن هناك شركات ما زالت تعاني من الخسائر المتراكمة، على الرغم من الطفرة الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد، التي تؤدي إلى تآكل رأسمالها ومع ذلك تمت المضاربة عليها لرفع سعرها بشكل خيالي!! وتغرير صغار المستثمرين للاستثمار فيها. إلا أن الهزة الحالية في سوق الأسهم التي سقطت بالمؤشر أكثر من 30 في المائة في وقت وجيز والتي انعكس أثرها على فقد كثير من المستثمرين في السوق جزءا من مدخراتهم مما تشكل مرحلة تحول في سلوك المستثمرين في السوق إذا استمرت في العزوف عن الاستثمار في السوق قد يمتد لفترة من الزمن تحتاج خلالها الدولة إلى العمل الدؤوب لإرجاع الثقة بسوق الأسهم وجذب المدخرات له وقد لا تنجح في ذلك. كما أن الانخفاض الحاصل في السوق والخسائر التي مني المتعاملون في السوق فيها سوف ينعكسان سلبا على مشكلة الفقر في السعودية. فصغار المستثمرين في السوق الذين اعتمدوا على القروض البنكية أو بيع أصولهم الرأسمالية واستثمروها في السوق طمعا في تحسين أحوالهم المعيشية، بدأت أمالهم في التلاشي بل وجد البعض منهم أنه مدين للغير والبعض الآخر فقد قيمة أصوله الرأسمالية.
لكن ما دور الدولة ؟ قبل أن نتحدث عن دور الدولة يجب أن نفرق بين دور الحكومة في الدول المتقدمة والذي يختلف عن مثيلتها في الدول النامية. فاكتمال البنية التحتية للاقتصاد في الدول الصناعية وقيام القطاع الخاص بدوره في إدارة الاقتصاد يعفي الحكومة من التدخل لمعالجة خلل السوق وتكتفي بسن الأنظمة والتشريعات الضرورية لعمل السوق حيث تعمل اليد الخفية كما يسميها أدم سميث في تحقيق مرحلة التشغيل الكامل في الاقتصاد. أما في الدول النامية فإن البنية الهيكلية للاقتصاد ما زالت تعاني من خلل هيكلي يحتم على الحكومة التدخل لمعالجة الخلل. فبنية القطاع الخاص في الدول النامية ضعيفة والدولة ما زالت اللاعب الأساسي في الاقتصاد، وتدخل الحكومة هو لتحقيق الأهداف الأساسية التي من أهمها تحقيق الرفاه الاجتماعي للمواطنين ورفع مستوى معيشتهم. لذا فإن إنجاز الحكومة يحدده مدى قدرتها على رفع المستوى المعيشي للمواطنين وتحقيق عدالة بين طبقات المجتمع المختلفة، التي أكدت الدراسات الاقتصادية دورها في النمو الاقتصادي وأن انخفاض العدالة الاجتماعية يؤثر سلبا في نمو الاقتصاد.
والدولة حارسة على مصالح الناس وتعمل على رفع مستوى معيشتهم من خلال سن الأنظمة والقوانين والمساهمة في إنشاء ما من شأنه أن يسهم في رفع كفاءة الاقتصاد التي تساعد أفراد المجتمع على استثمار مدخراتهم في بيئة استثمارية كفؤة تحقق لهم تنمية مدخراتهم بمخاطر معقولة. لذا فإن توافر العوامل التي تساعد على تحقيق الكفاءة في سوق الأسهم من الأولويات التي تحرص الهيئة وهي التي تمثل الدولة على توافرها في السوق. وسوق الأسهم السعودي على الرغم من أنه من أقدم أسواق الأسهم في المنطقة إلا أن تنظيم السوق يعتبر حديثا وهيئة السوق لم يتجاوز عمرها أربع سنوات. وقد اجتهدت الهيئة بإصدار الأنظمة والتشريعات ومراقبة السوق بهدف تحقيق العدالة للمتعاملين في السوق ورفع الكفاءة التي قد نختلف معها في بعض هذه القرارات ونتفق في البعض الآخر، وليس هذا مكان مناقشتها ولكن أود أن أشير بعجالة إلى قرار 5 في المائة الذي اختلف مع الهيئة حول فائدته للسوق. فضخامة الأموال المتداولة يوميا بيعا وشراء قد تصل إلى هذه النسبة بسهولة مما يحد من التداول ويعطي مؤشرا خاطئا للمتداولين عن اتجاه السهم ويساعد على سرعة النزول أو سرعة الصعود.
وبالنظر إلى سوق الأسهم السعودي نلاحظ أن السوق يفتقر إلى بعض المقومات التي تساعد على عمل السوق بكفاءة وتوجه المستثمرين مما يحتم دورا أكبر للدولة في السوق حتى تكتمل بنية السوق، ومن الخطأ أن نقارن سوق ناشئا مثل السوق السعودي لم تتحقق له شروط الكفاءة الاقتصادية الكاملة بالأسواق المتقدمة التي اكتملت فيها بنية السوق الهيكلية مما يساعدها على علاج المشاكل التي تواجه السوق دون تدخل الدولة. خاصة غياب المكاتب المتخصصة التي تقيم أسعار الأسهم لكل شركة في السوق من خلال قراءة متأنية لقوائم الشركات ومستقبل هذه الشركات وتعطي توصية حول البيع والشراء على أسس علمية تتم إتاحتها للمتعاملين في السوق مجانا في المراحل الأولى. ومعلوم أن وجودها كان سيسهل على المستثمرين في السوق اتخاذ قرارات استثمارية صائبة، بعيدا عن الإشاعات والساحات على شبكة الإنترنت التي أسهمت في استغلال صغار المستثمرين من قبل المضاربين والإشاعات التي يروج لها البعض على مواقع الإنترنت أو من خلال رسائل الجوال. فالمستثمرون في سوق الأسهم في حاجة إلى من يساعدهم على تحليل أخبار الشركات وانعكاسها على سعر السهم، حيث الغالبية في السوق غير متخصصين في تقييم الأسهم ويصعب عليهم تحليل الأخبار والقوائم المالية. ففي أسواق المال لا يكتفى بالمعلومة الخام وإتاحتها للمستثمرين بل إن المستثمرين بحاجة لمن يحللها لهم ويعكسها في توصية حول سعر السهم. كما أن جمع المعلومات وتحليلها من قبل المكاتب المتخصصة قد يكون مجديا اقتصاديا بينما على المستوى الفردي فإن تكلفة جمع المعلومات وتحليلها والوقت التي يستغرق في ذلك قد لا تكون مجدية خاصة لصغار المستثمرين مما يلجئهم للاعتماد على الآخرين في الساحات أو غيرها من مصادر الإشاعة. إن إنشاء المكاتب المتخصصة لتقييم الأسهم يحتاج إلى دعم في مراحله الأولى حتى تشب عن الطوق وتعتمد على نفسها في المراحل المتقدمة من عمرها خصوصا عندما تكسب ثقة الأفراد. ومن الممكن أن تساعد هيئة سوق رأس المال على إنشاء هذه المكاتب من خلال الدعم المادي والتسهيلات اللازمة لقيامها على أن يكون هناك أكثر من مكتب لمنع الاحتكار في المعلومات أو استغلالها. هذا الحل قد يسهم في رفع كفاءة السوق وتحسين البيئة الاستثمارية لسوق الأسهم في الأجل الطويل. أما في الأجل القصير وبالذات المشكلة التي بين أيدينا لوقف النزيف الحاصل في سوق الأسهم فإنه يحتم تدخل الدولة ممثلة في السلطة النقدية والمالية وهيئة سوق رأس المال وبأسرع وقت. فمثلا إعطاء مرونة أكبر في التسهيلات لزيادة عرض النقود، وكذلك يجب أن تمنع البنوك من تسييل المحافظ أو بيع الأسهم الخاصة بالعملاء أصحاب التسهيلات البنكية الذي أدى إلى هلع في السوق ولن تجني البنوك من ورائه طائلا لعدم وجود سيولة للشراء. إن وقف هذا التدهور في السوق مطلب ضروري لتفادي الآثار السلبية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي قد تنجم عن استمرار الانهيار في السوق. وفي الختام فإن الدراسات الاقتصادية أرجعت أهم أسباب تفاقم الكساد الكبير في سوق الأسهم والسندات الأمريكية في الثلاثينيات الميلادية واستمراره فترة أطول إلى السياسة النقدية المتشددة التي أدت إلى انخفاض عرض النقود في تلك الفترة التي قد نتحدث عنها في مقالة مستقلة. لذا فإن سوق الأسهم في حاجة إلى سرعة تدخل السلطات المالية والنقدية وهيئة سوق رأس المال لتفادي انهيار السوق أكثر مما حصل.