مبررات التخطيط في السعودية من تقليص العيوب الهيكلية للاقتصاد إلى تقليص تباينات المناطق
التخطيط الاقتصادي هو أسلوب للتفكير، ونظام للعمل يقوم على تطبيق المنطق العلمي في تحديد أهداف اقتصادية معينة، واختيار أفضل البدائل والوسائل المتاحة لتحقيقها خلال فترة زمنية محددة وبأقل التكاليف. لذلك اعتمد معظم دول العالم على التخطيط من أجل تحقيق أهدافها الاقتصادية والإنمائية الوطنية، على الرغم من اختلاف النظم الاقتصادية والسياسية ومستويات التقدم الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول. ولقد اتخذت المملكة أسلوب التخطيط الشامل لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة من خلال إعداد وتنفيذ خطط التنمية الخمسية التي كانت آخرها خطة التنمية الثامنة.
يتناول هذا الكتاب جانبين أساسيين للتخطيط التنموي في المملكة. الأول، يركز على إعطاء خلفية تاريخية عن جهود التخطيط، حيث يستعرض بشيء من التفصيل السمات المميزة للخطط السعودية. أما الجانب الثاني، فهو يبرز المنهج التخطيطي المتبع، الذي يتناول محتوى وعناصر الخطط ومنهجية إعدادها وتنفيذها. كما يستعرض التطور في منهجية إعداد هذه الخطط ليتناسب مع التطور في محتواها، ومع تطور الرؤية المستقبلية للتطورات المتوقعة في المدى البعيد.
يستعرض الكتاب الكثير من المعلومات والجوانب الفنية بطريقة تتصف بالوضوح واتساع قاعدة الإفادة، وذلك من خلال الاستعانة بالأشكال التوضيحية وتعزيزها بأدبيات التنمية والدروس المستفادة من التجارب الناجحة في بعض الدول.
تم تقسيم الكتاب إلى عشرة فصول، تناول الأول منها موضوع التخطيط التنموي حيث ناقش أهميته بالنسبة للدول على اختلاف أنظمتها، وأبرز أن فاعليته تتناسب مع مقدرة المسؤولين في هذه الدول على إدارة مواردها الاقتصادية والانتفاع منها على نحو كفؤ. وفي دعم الآراء المقدمة أوجز الفصل الخلفية النظرية للتعريف بنشأة وماهية التخطيط التنموي، وخطوات وعناصر العملية التخطيطية، وأهم مقوماته وأنواعه، إضافة إلى توضيح سماته المميزة باعتباره خياراً استراتيجياً للدول النامية، التي تميزه عن التخطيط المستخدم في بعض الدول الصناعية المتقدمة للتغلب على التقلبات والأزمات الناجمة عن الدورات الاقتصادية.
أما الفصل الثاني، فقد تناول الإطار التاريخي للتخطيط التنموي السعودي حيث استعرض خلفيته التاريخية ابتداء بالدلالات التنموية لجهود الملك عبد العزيز وأثرها المباشر على النهضة التنموية في المملكة. مع أن تاريخ الملك عبد العزيز - رحمه الله - وأعماله كانا موضوعاً لدراسات عديدة تناولت الإنجازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للملك عبد العزيز - رحمه الله، ولكن المستهدف في هذا الفصل هو إلقاء الضوء حول المواقف والاتجاهات التي أسسها الملك عبد العزيز ذات العلاقة المباشرة بالنهضة التنموية في البلاد. كما استعرض الفصل مبررات التخطيط التنموي في المملكة، التي لخصها في الآتي:
- الحاجة إلى تقليص العيوب الهيكلية للاقتصاد السعودي من خلال تقليل الاعتماد على إنتاج وتصدير النفط الخام كمصدر أساسي للإيرادات العامة، وذلك من خلال تكثيف الجهود التنموية لتنويع القاعدة الاقتصادية.
– الحاجة إلى توفير التجهيزات الأساسية، فمن المعروف أن مشروعات البنية الأساسية تشكل شرطاً ضرورياً للبدء في مسيرة النمو والتنمية.
– الحاجة إلى تنمية القوى البشرية بمفهومها الواسع، انطلاقاً من التوسع في مؤسسات التعليم بمراحلها المختلفة والتوسع في مؤسسات التدريب والتأهيل المهني لزيادة معدلات توظيف العمالة الوطنية في القطاعين الحكومي والخاص والعمل على زيادة وتحسين الإنتاجية.
– الحاجة إلى استكمال وتطوير الهياكل التنظيمية والمؤسسية الملائمة للمسيرة التنموية.
– الحاجة إلى التغلب على المشكلات الاجتماعية الناجمة عن التطورات الاقتصادية السريعة والمتلاحقة من خلال تكثيف الإعانات المختلفة، ورفع مستوى المعيشة وتحسين نوعية الحياة للمواطنين، إضافة إلى مساعدة القطاع الخاص على تحقيق زيادة مطردة في دوره التنموي.
– الحاجة للتخطيط لتقليص حجم التباين في مستويات التنمية بين المناطق المختلفة في المملكة، والتي تنعكس سلباً على الأوضاع المعيشية للمناطق الأقل نمواً، أو التي لا تحظى بقدر كافٍ من الخدمات العامة.
ويستعرض الفصل في نهايته تطور جهاز التخطيط في المملكة العربية السعودية، وذلك بهدف معرفة مدى التطوير المؤسسي والتنظيمي الذي تم تحقيقه، وقدرته على مواكبة التطورات المنهجية للتخطيط الشامل، الذي اعتمدت عليه المملكة منذ بداية عهدها بالخطط الخمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في عام 1390هـ (بداية الخطة الأولى) حتى عام 1420هـ (بداية الخطة السابعة).
وفي الفصل الثالث تناول الكاتب مراحل التخطيط التنموي في المملكة بشيء من التفصيل، حيث ألقي الضوء على خصائص كل خطة من خطط التنمية والظروف التي صاحبت إعدادها وأهم المنجزات التي حققتها. وفي هذا الإطار، قسم الكاتب خطط التنمية الست الأولى إلى مجموعتين تمثلان مرحلتين مختلفتين. تشمل المرحلة الأولى على خطط التنمية الأولى والثانية والثالثة، بينما تتكون المرحلة الثانية من خطط التنمية الرابعة والخامسة والسادسة.
وتستند فكرة تقسيم فترة التخطيط في المملكة إلى مرحلتين، إلى تجانس الخطط المذكورة في كل مرحلة مع بعضها من حيث الأوضاع الاقتصادية للمملكة والمتغيرات والمستجدات المرحلية. حيث تميزت المرحلة الأولى منها بارتفاع سريع في أسعار البترول وإنتاجه والتوسع في حجم الإنفاق العام لتوفير متطلبات بناء التجهيزات الأساسية وتوفير المرافق والخدمات العامة وإعطاء "دفعة قوية" للقطاعين الصناعي والزراعي من خلال تكثيف الدعم والإعانات المباشرة وغير المباشرة، وقد شهدت هذه المرحلة بدء أنشطة "صناديق التنمية" التي تمولها الموازنة العامة للدولة لتقديم القروض الميسرة "بدون فوائد" إلى القطاع الخاص، كما اتسعت مظلة القروض والإعانات لتشمل مجالات عديدة صناعية واجتماعية. المرحلة الثانية تميزت بتدهور الأسعار العالمية للنفط، وما صاحبه من عدم استقرار في أوضاع الأسواق العالمية للنفط، مما تطلب ترشيد النفقات العامة والإعانات. وشهدت هذه المرحلة أيضاً بداية نضج القطاع الخاص والحاجة إلى إتاحة المزيد من الفرص الاستثمارية الخاصة والتوجه نحو التخصيص، إضافة إلى استكمال معظم مشروعات البنية الأساسية وتحقيق إنجازات ملموسة في إطار السعي لتنويع القاعدة الاقتصادية.
لقد حرص منهج التخطيط التنموي في المملكة على تعديل أولويات ومرتكزات الخطط الخمسية وفقاً للظروف المرحلية والمتغيرات والمستجدات الخاصة بكل خطة على حدة، بحيث تدور هذه الأولويات والمرتكزات في فلك رؤى واضحة ومتكاملة للأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى، وبما يحقق الأبعاد الثلاثة للتنمية (الاجتماعي، والاقتصادي، والتنظيمي) بشكل متوازن بعيداً عن الانعكاسات السلبية، التي تنجم عادة عن التركيز على أحد هذه الأبعاد على حساب الأبعاد الأخرى. كانت هذه القضايا موضوعات الفصل الرابع الذي تناول انعكاسات الظروف المرحلية على أولويات ومرتكزات خطط التنمية.
وفي هذا السياق أثار الكاتب التساؤل عن "كيف استطاع منهج التخطيط التنموي في المملكة التكيف مع الظروف المرحلية المختلفة للخطط الخمسية على مدار العقود الثلاثة الماضية (1390 - 1420هـ) من خلال تعديل أولويات هذه الخطط ومرتكزاتها الأساسية ؟" حيث أوضح الكاتب أنه لا بد من الأخذ في الاعتبار الاختلافات الجوهرية لهذه الظروف المرحلية الناجمة عن التقلبات الحادة في الإيرادات العامة النفطية كمورد أساس لتمويل التنمية، واختلاف حدة وطبيعة التحديات ذات العلاقة بالتجهيزات الأساسية وتنمية القوى البشرية وتنويع القاعدة الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة ونوعية الحياة للمواطنين.
وفي هذا الإطار، تناول الكاتب موضوعات تغير محور الأهداف العامة والأسس الاستراتيجية عبر خطط التنمية الخمسية، وتغير تركيز الإنفاق التنموي خلال خطط التنمية، ومدى استجابة منهجية التخطيط بالمملكة للمتغيرات والمستجدات، وأخيراً منظومة العلوم والتقنية في إطار ركائز خطة التنمية السابعة.
واستعرض الكاتب منهجية التخطيط التنموي السعودي في الفصل الخامس، باعتبارها نتاج لعملية تراكمية وتطور مستمر. يبين الكاتب أن خطط التنمية تُعرف منهجية التخطيط بأنها مجموعة من الأساليب والأدوات والإجراءات التخطيطية التي تتبع لإعداد وتنفيذ ومراجعـة وتقييم خطة التنمية. وقد تم تقسيم هذا الفصل إلى أربعة مباحث، يناقش الأول منها الأساليب التخطيطية، حيث تعتمد خطط التنمية في المملكة عدة أساليب تخطيطية لتحقيق أهدافها على الصعيدين الكلي والقطاعي. ومن أمثلة تلك الأساليب التخطيطية التخطيط الاستراتيجي، والتخطيط التوجيهي والتخطيط التأشيري، وأخيراً أسلوب التخطيط بالسياسات. وفي هذا الشأن، شهدت أساليب التخطيط التنموي في المملكة تطورات مهمة خلال الخطط الخمسية، مما أدى إلى ظهور التحولات الآتية:
التحول من أسلوب تخطيط المشاريع إلى أسلوب تخطيط البرامج.
التركيز على السياسات الاقتصادية والإجراءات والأدوات التي تحقق الكفاءة الاقتصادية.
توسيع نطاق أساليب التخطيط ليشمل: التخطيط التوجيهي، والتخطيط التأشيري، والتخطيط الاستراتيجي.
زيادة الاهتمام بالبعد المكاني للتنمية من خلال الاهتمام بالتنمية الإقليمية المتوازنة.
وقد تطورت مناهج إعداد وتنفيذ ومتابعة خطط التنمية الخمسية عبر تلك المراحل، حيث برزت خلال تلك المراحل عدة قضايا اقتصادية واجتماعية تطلبت استخدام أساليب أكثر تطوراً لكل مرحلة. وتمثل ذلك في المنهجيات المتعددة التي استخدمتها كل خطة، حيث تدرجت تلك الأساليب من الأساليب البسيطة إلى استخدام النماذج الاقتصادية في إعداد إطار الاقتصاد الكلي للخطة، ومن أسلوب المشروع إلى أسلوب البرنامج. وقد صاحب ذلك التطور تزايد في التركيز على التخطيط التأشيري وتناقص في دور التخطيط التوجيهي مع تنامي دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.
في حين يناقش المبحث الثاني الأدوات التخطيطية، حيث اعتمدت خطة التنمية في تقدير توقعاتها على استخدام النماذج الاقتصادية، كما تعتمد من ناحية أخرى على تحقيق توجهاتها من خلال السياسات الاقتصادية، التي تتمثل في السياسات المالية والنقدية والتجارية وسياسات سوق العمل. وتعتبر هذه السياسات بمثابة أدوات مهمة لتهيئة الاقتصاد الوطني للتعامل بمرونة وكفاءة مع المتغيرات والمستجدات على الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية. وتم استخدام تلك النماذج في تحديد مسارات النمو المتوقعة خلال خطط التنمية المتعاقبة على الصعيدين الكلي والقطاعي، انطلاقا من الأوضاع الراهنة للاقتصاد الوطني أثناء فترة إعداد الخطة، ثم تقدير التطورات المتوقعة خلال سنوات الخطة بشأن المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وذلك في ضوء الأهداف العامة والأسس الاستراتيجية من ناحية، وأفضل البدائل المتاحة لترشيد استغلال الموارد من ناحية أخرى.
ويحدد المبحث الثالث الإجراءات التنظيمية المتبعة في التخطيط التنموي في المملكة، التي تشتمل على: الجوانب التنظيمية (المؤسسية) ذات العلاقة بالعمليات التخطيطية، إضافة إلى النظم المساندة لتلك العمليات، وآليات المواءمة بين توجهات الخطة والنظم القائمة والمستحدثة.
في حين يستعرض المبحث الرابع من الفصل الخامس بعض الدروس المستفادة من تجارب التخطيط التنموي في دول مختارة. وتُشير التجارب الدولية إلى اختلاف أشكال ومنهجيات التخطيط التنموي وفقاً للظروف الخاصة بكل دولة، وطبيعة المتغيرات والمستجدات والتحديات التي تواجهها، حيث تقوم المؤسسات المسؤولة عن التخطيط التنموي في تلك الدول بتعديل دورها مع مرور الزمن. واستعرض المبحث باختصار منهجيات التخطيط في بعض الدول وهي كوريا، ماليزيا، مصر، الهند، وباكستان، بهدف استخلاص الدروس التي قد تفيد في التطوير المستقبلي لمنهجية التخطيط في المملكة، حيث تثير تلك التجارب تساؤلات عديدة حول إمكانية الاستفادة منها في إعداد رؤية مستقبلية بشأن آفاق وأبعاد التطورات المتوقعة لمنهجية التخطيط في المملكة على المدى البعيد.
ويرى الكاتب أن المرحلة المقبلة من المسيرة التنموية ـ التي بدأت مع بداية الألفية الثالثة الميلادية ـ تختلف كثيراً عن المراحل السابقة بسبب التطورات العلمية والتقنية المتلاحقة والانعكاسات المتسارعة لظاهرة العولمة بأبعادها المختلفة (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، والتوجهات العالمية لتحقيق المزيد من تحرير التجارة والتخصيص وزيادة حدة المنافسة، كما تتميز المرحلة المقبلة من المسيرة التنموية بتكثيف الجهود في مجال التكتلات الاقتصادية على الصعيد الإقليمي من ناحية، وتنفيذ التوجهات الطموحة للتنمية الإقليمية المتوازنة داخل الدولة من ناحية أخرى.
وناقش الفصل السادس مكونات خطط التنمية التي تشمل أربعة عناصر رئيسية، هي: الأهداف العامة والأسس الاستراتيجية، والخطط التشغيلية، وتقارير المناطق، وأخيراً وثيقة خطة التنمية الخمسية. ويتضمن كل عنصر من هذه العناصر الأربعة منهجاً محدداً يختلف عن الآخر من حيث المكونات والطرح. حيث تشتمل الأهداف العامة والأسس الاستراتيجية، على التوجهات الرئيسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة خلال فترة زمنية محددة. في حين تتضمن الخطط التشغيلية التي تُعد للجهات الحكومية كل على حدة ، البرنامج التشغيلي للجهة الحكومية خلال فترة الخطة الخمسية. أما فيما يتعلق بتقارير المناطق، فهي تحدد الوضع الراهن للخدمات في المنطقة وتبرز أهم المزايا النسبية التي تتمتع بها مناطق المملكة المختلفة وأهم القضايا التنموية التي تواجه كل منطقة والبرامج والمشاريع التنموية المحددة لتلك المناطق في الخطة الخمسية. في حين، تُحدد وثيقة خطة التنمية الخمسية أهم السمات والقضايا والبرامج التنموية في المملكة خلال فترة خطة التنمية الخمسية.
ويستعرض الكاتب في الفصل السابع الخطوات التنفيذية لإعداد الخطة، بما في ذلك الخطوات الإجرائية وخطوات تقدير النفقات الإجمالية للخطة. ويرى الكاتب أن عملية التخطيط وتحضير الخطط تزداد تعقيداً بمرور الزمن، وذلك بزيادة تعقيد الظروف الاقتصادية، والاجتماعية ووفرة الموارد، كما يزداد العمق التخطيطي بأبعاده المختلفة بزيادة خطوات التنمية الشاملة وزيادة النشاطات الاقتصادية التي تسهم في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة تنويع الاقتصاد الوطني، وظهور أولويات ومجالات وأبعاد جديدة للتخطيط التنموي تبرز من مرحلة تخطيطية إلى أخرى بمرور الزمن.
يستعرض الفصل الثامن الآليات المتبعة في إدارة الخطة من قبل وزارة الاقتصاد والتخطيط بالتنسيق مع الجهات الحكومية الأخرى والقطاع الخاص، وذلك من حيث نظم التخطيط والمرتكزات التخطيطية لخطط التنمية، والتنسيق بين خطة التنمية وإعداد الميزانية العامة، إضافة إلى الأطر العامة لتقارير متابعة الخطة. ويرى الكاتب أن هذه الموضوعات تتطلب وجود رؤى واضحة ومتكاملة لدى المسؤولين عن مهام إدارة خطة التنمية ومتابعة تنفيذها بشأن الأطر العامة لأولويات الخطة ومرتكزاتها الأساسية ومدى حساسيتها لما يسمى "علاقات التشابك القطاعي" أي التأثير المتبادل لإسهامات القطاعات المختلفة للاقتصاد الوطني في تحقيق هذه الأولويات والمرتكزات.
وتفيد المتابعة في التعرف المستمر على مدى التقدم المحقق في تنفيذ الخطة، وهو الأمر الذي يفرض على جهة المتابعة الحصول على البيانات والمعلومات اللازمة بصفة دورية منتظمة. ومن أهم عناصر تلك المهمة التنسيق بين إعداد وتحضير الميزانية السنوية للدولة وبين مكونات الخطة، والعمل على توثيق الترابط بينهما.
تشير نتائج متابعة وتقويم الخطط التنموية التي تم تنفيذها في العديد من الدول النامية إلى ندرة الحالات التي تتساوى فيها الإنجازات الفعلية المحققة مع الأهداف المحددة والتقديرات والتوقعات ذات العلاقة الواردة في الخطة، أي أن وجود فجوة بين المحقق والمستهدف يُعد أمراً طبيعياً - سواء كانت هذه الفجوة سالبة أو موجبة - إذا كانت في الحدود المقبولة المتعارف عليها، أو إذا كانت تُعزى لأسباب منطقية ليس فيها مبالغة في الطموح من قبل المخططين، ولا تعكس تقصيراً أو ضعفاً في أداء الجهات التنفيذية، مثل: تدهور أوضاع الأسواق العالمية للنفط في عام 1419/1420هـ (1999م) – والذي لم يكن متوقعاً خلال مرحلة إعداد خطة التنمية السادسة في المملكة - مما أدى إلى تحقيق معدلات نمو حقيقية (سالبة) سواء بالنسبة للقطاع النفطي أو الناتج المحلي الإجمالي، كما تعتبر الفجوة المذكورة بمثابة ظاهرة طبيعية أيضاً عند مقارنة المعتمد والمنصرف الفعلي بالميزانية إذا كانت أسباب الاختلاف بينهما تُعزى إلى ظروف أو أزمات طارئة، أو اعتماد مشاريع وطنية جديدة ذات أهمية قصوى ولم يتم إدراجها أصلاً في الخطة، مما يُشكل ضغوطاً بالنسبة للإنفاق على مشاريع أُخرى معتمدة بالخطة.
يهدف الفصل التاسع إلى تقويم المسيرة التنموية في المملكة العربية السعودية خلال الفترة من عام 1390هـ (1970م) إلى عام 1421هـ (2000م). ولهذا الغرض تم استعراض الفجوة بين الإنفاق الحكومي المستهدف والمحقق، كما استعرض تطور الناتج المحلي الإجمالي خلال خطط التنمية الست التي أوردها الكتاب.
وتناول الكاتب الرؤية المستقبلية لمنهجية التخطيط التنموي السعودي في الفصل العاشر والأخير. حيث يرى أن العقد الأول من الألفية الجديدة يشكل مرحلة حاسمة للمسيرة التنموية للمملكة، فقد برزت عدة تحديات تتطلب تطويراً جذرياً لمنهجية التخطيط التنموي السعودي. ومن أهم هذه التحديات: صعوبة تحقيق الاستقرار المالي في المملكة على المدى البعيد نتيجة لاستمرار اعتمادها على الإيرادات النفطية في ظل التقلبات الحادة لأوضاع الأسواق العالمية للنفط، والزيادة المطردة في الطلب على المرافق والخدمات العامة والبنية الأساسية والإسكان نتيجة لاستمرار النمو السكاني بمعدلات مرتفعة نسبياً، والحاجة إلى توفير المزيد من فرص العمل لاستيعاب الزيادة المطردة في أعداد القوى العاملة وتقليص معدلات البطالة، والحاجة لمعالجة ظاهرة الفقر في إطار استراتيجية متكاملة، وكذلك ضرورة التعامل بكفاءة ومرونة مع الانعكاسات الناجمة عن انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية، بما في ذلك تهيئة المناخ الاستثماري الملائم لجذب وتشجيع الاستثمارات الخاصة (الوطنية والأجنبية)، إضافة إلى زيادة حدة التحديات المتعلقة بزيادة الطلب على المياه والحاجة إلى التطوير التقني وتحسين المقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
لذلك، أوضح الكاتب أن تلك التحديات تتطلب زيادة الاهتمام بالتخطيط التنموي في المملكة خلال المرحلة المقبلة، وذلك عن طريق إعداد خطط تنموية تأخذ في الحسبان سياسات تكييف الاقتصاد الوطني مع هذه المتغيرات والمستجدات وتوائم بين جهود القطاعين الحكومي والخاص لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، مما يتطلب إعادة النظر في منهجية التخطيط دون التقليل من فاعليته كوسيلة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك خلافاً لما تؤكده التوقعات المتشائمة بشأن إمكانية تقليل الاعتماد على التخطيط والتوجه المستقبلي نحو انحسار الدور التنموي للدولة.
بناء عليه، يُبرز هذا الفصل آفاق وأبعاد التطورات المتوقعة على المدى البعيد بشأن منهجية التخطيط التنموي في المملكة، وذلك على النحو الآتي:
هيمنة التخطيط التأشيري وزيادة الاعتماد على التخطيط بالسياسات
بروز أهمية التخطيط الإقليمي وتوسعة مجالات اللامركزية
إعادة هيكلة مهام إعداد الخطة وبُعدها الزمني ومحتوياتها
المراجعة الدورية للخطة والتنسيق بين الخطة والميزانية العامة
تطوير وتفعيل آليات ومهام متابعة تنفيذ الخطة.
وتُعزى أهمية هذه التوقعات إلى إسهامها في تنفيذ التوجه نحو زيادة الأهمية النسبية للتخطيط الاستراتيجي في المملكة خلال المرحلة المقبلة من مسيرتها التنموية عن طريق الخطة بعيدة المدى المزمع إعدادها وفقاً للنصوص الواردة في المنظور المستقبلي لخطة التنمية السابعة.
كلمة أخيرة، يوفر هذا الكتاب الكثير من المعلومات الخاصة بخطط التنمية في المملكة وتطورها خلال العقود الثلاثة الماضية التي لاغني عنها للباحثين والمختصين ورجال الأعمال والمثقفين المعنيين بشؤون التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة.
والله ولي التوفيق،،